كوثر العمالي .. حين تفيض الغيرة على العرائش من قلب المؤسسة
تمودة 24 : العرائش / أنوار الشرادي..
في مدن تختزل فيها السياسة أحيانا في صفقات صامتة، ويستبدل فيها الوفاء بالتملق، نادرا ما يبرز صوت نقيّ، صادق، يحمل هم المدينة لا هم المقعد.
قد نختلف حول بعض المشاريع في مدينة العرائش، مثل تهيئة الشرفة الأطلسية أو عودة “الباساخير” قوارب العبور، وقد لا نرى جميعا في التلويح بالاستقالة وسيلة ناجعة للنضال، لكننا لا نختلف أبدا في أن كوثر العمالي تعد من أنزه وأصدق الأصوات التي عرفها المجلس الجماعي في السنوات الأخيرة.
فهي ليست مجرد مستشارة منتخبة، بل ابنة هذه الأرض، نشأت في أحيائها الشعبية، ودرست في مدارسها العمومية، وتقاسمت طفولتها مع أبناء وبنات المدينة ، فامتزجت بوجدان العرائش كما تمتزج الروح بالجسد.
كوثر العمالي تَكونت في حضن دروب مدينة العرائش، فحملت هويتها وموروثها وتقاليدها كأمانة ومسؤولية، لا كشعار سياسي عابر، لذلك حين تتكلم، فهي لا تمثل نفسها فقط، بل تنقل وجع المدينة وأملها بصدق نادر.
في هذا السياق، أعلنت العمالي خلال لقاء رسمي بمقر عمالة الإقليم،يوم الثلاثاء 23 يوليوز 2025، عن نيتها تقديم استقالتها، في لحظة احتجاج قوية، حضرت فيها رمزية الفعل أكثر من الإجراء الإداري نفسه. كان ذلك ردّا مباشرا على الطريقة التي تم بها تمرير مشروع الشرفة الأطلسية، دون إشراك حقيقي للفاعلين المحليين، ودون اعتبار لذاكرة المكان ورمزيته.
خطوةٌ بدت لكثيرين كتعبير عن رفض واضح لما اعتبروه تعدِّيًا صامتًا على ذاكرة المدينة وتجريدا لمعالمها من روحها وتاريخها.
ومع ذلك، لم تقدّم العمالي استقالتها بشكل رسمي وكتابي، وهو ما اعتبره كثيرون موقفًا حكيما يُبقي صوتها حاضرا داخل المجلس، في وقتٍ تشتد فيه الحاجة إلى من يقول “لا” من الداخل، لا من ينسحب بصمت.
فالعرائش تعيش لحظة دقيقة، تحتاج فيها إلى من لا يساوم على هويتها، ولا يتخلى عنها في منتصف الطريق.
هذا الموقف لم يكن وليد اللحظة. فقد سبق للعمالي أن عبّرت عن رفضها لصيغة المشروع، خلال دورة سابقة للمجلس الجماعي، ووجهت خلالها انتقادات واضحة لأسلوب الإقصاء الذي بات يمارس في تدبير عدد من الملفات الكبرى بالمدينة.
كما زكّت موقفها لاحقًا، في لقاء رسمي حضره رئيس المجلس ونوابه، وباشا المدينة، وعدد من فعاليات المجتمع المدني والإعلام المحلي، حيث أعادت التأكيد على أن العرائش لا يمكن أن تكون مدينة بلا ذاكرة، ولا يجب أن تكون مدينة بلا رأي.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، عبّرت العمالي عن دعمها الصريح والمبدئي للوقفة الاحتجاجية الرمزية التي نظّمتها فعاليات مدنية أمام الشرفة الأطلسية، واعتبرت ذلك شكلا حضاريا من أشكال التعبير عن الرفض الشعبي.
لقد وقفت إلى جانب المطالب بصوتها وموقفها، إن لم يكن بجسدها في الميدان، وكان دعمها هذا جزءا من التلاحم المعنوي بين الفاعل السياسي والساكنة، ما ساهم في خلق ضغط جماعي ساهم في إعادة النظر في المشروع، واتخاذ قرار يعيد الشرفة إلى وضعها الأصلي.
بهذا المعنى، لم يكن ما قامت به العمالي مجرد تعبير احتجاجي، بل كان موقفا سياسيا وأخلاقيا متكاملا، يعيد الاعتبار لدور المنتخب كممثل حقيقي للناس، وكصوت للكرامة في وجه كل ما يطمس هوية المدينة أو يقصيها من مشهد التنمية.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يبقى وجود كوثر العمالي داخل المجلس ضرورة لا يمكن التفريط فيها.
لأن العرائش، بكل تفاصيلها وجروحها وآمالها، تحتاج إلى من يتحدث بلغتها، يفهم نبضها، ويحملها كما يُحمل الوطن في القلب، لا في الخطابات فقط.
وفي زمن ترتفع فيه الأصوات فقط خلال الحملات الانتخابية لتغيب بعدها، يظل صوت كوثر العمالي حاضرا بثبات، نزيها لا يتلون، متجذرا في الأرض والناس والذاكرة.
فمثل هذه الأصوات لا تشترى، ولا تستبدل، لأنها ببساطة: تمثلنا حين نصمت، وتدافع عنا حين لا يسمعنا أحد.