تطوان ليست جناحًا رئاسيا “كيف يشوَّه وجه تطوان كل صيف”

تمودة 24/ رشيد بنعويش

 

 

خرج أحد الصحفيين في فيديو مثير للجدل، يتحدث فيه عن أسعار كراء الشقق في تطوان، مرتيل، والمضيق، وكأنها جناح رئاسي في باريس أو لندن أو نيويورك، هذا الخطاب السطحي لا يعكس سوى جهلٍ صارخ بالواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه هذه المدن، ويكرّس صورة نمطية خاطئة، تساهم في تشويه سمعة منطقة تعاني أصلًا من التهميش والإقصاء.

كل صيف، تتحول تطوان مارتيل المضيق و الفنيدق إلى مادة دسمة للانتقاد، وكأنها مسؤولة عن كل اختلالات السياحة الداخلية، لكن ما لا يُقال هو أن هذه المدن، منذ توقيف التهريب المعيشي في الفنيدق، تعيش أزمة بطالة خانقة، آلاف الأسر كانت تعتمد على هذا النشاط كمصدر رزق، ورغم سلبياته، لم يتم تعويضه بأي بديل اقتصادي حقيقي، لا مشاريع استثمارية، فقط وعود تتبخر مع أول موجة حر.

 

حتى المشاريع الموسمية الصغيرة التي كانت تشكل متنفسًا اقتصاديًا في الصيف، مثل كراء المظلات على الشاطئ، بيع المأكولات الخفيفة، أو تنظيم الأنشطة الترفيهية، تم التضييق عليها أو توقيفه، بحجة التنظيم، تم خنق المبادرات الفردية، دون توفير بدائل، النتيجة؟ شباب عاطل، أسر مثقلة بالديون، ومدينة تزداد اختناقًا.

إذا كانت النية فعلاً تحويل تطوان إلى وجهة سياحية، فذلك لا يتم عبر رفع أسعار الكراء بشكل جنوني، أو عبر طرد الباعة المتجولين، بل عبر الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، فتح المجال أمام الأفكار والمشاريع، وتخصيص ميزانيات لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، السياحة ليست فقط شققًا مفروشة، بل منظومة متكاملة من الخدمات و الأنشطة السنوية.

 

للأسف حتى فريق المدينة الأول يُهمّش، المتنفس الوحيد لشباب المدينة، والرمز الذي يحمل على كتفيه أحلام آلاف المواطنين الذين يجدون في المدرجات ما لا يجدونه في الواقع، الانتماء، الفخر، والفرح، لكن حتى هذا المتنفس، لم يسلم من التدهور.

 

ففريق المغرب التطواني يعيش اليوم أزمة مالية خانقة، ديون متراكمة، غياب دعم مؤسساتي حقيقي، وتخبط إداري مزمن، النادي العريق الذي رفع راية المدينة عاليًا في البطولة الوطنية، والذي شارك في كأس العالم للأندية سنة 2014، أصبح اليوم يصارع من أجل البقاء، لا في المراتب الأولى، بل في الوجود ذاته.

 

ما يثير الاستغراب هو غياب أي رؤية استراتيجية من الجهات المسؤولة، سواء على المستوى المحلي أو المركزي، لدعم هذا الكيان، لا ميزانية واضحة، لا استثمارات في التكوين، لا اهتمام بالبنية التحتية الرياضية، وكأن الفريق يُترك ليواجه مصيره وحده، في مدينة تعاني أصلًا من التهميش.

 

لم تعد الرياضة ترفًا، بل أداة قوية للتنمية، للحد من الانحراف، ولخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، من مدربين، لاعبين، إداريين، إلى أصحاب المحلات التجارية والمقاهي التي تنتعش أيام المباريات، لكن حين يُترك الفريق يتخبط في أزماته، فإن الرسالة واضحة، لم يعد الحلم مرحبًا به في تطوان.

 

الجمهور التطواني، الذي يُعرف بولائه وشغفه،هو نفسه داك الشباب العاطل عن العمل و الذي زين جنبات ملعب سانية الرمل، لكنه اليوم يشعر بالإحباط، وكأن المدينة تُعاقب حتى في رموزها، فالفريق بالنسبة لهم هو مرآة لمدينة تُهمّش حتى في أحلامها، ويستحق أن يُعامل كرافعة تنموية، لا كعبء يُتجاهل.

 

ما تعيشه تطوان و مارتيل و المضيق و الفنيدق، ليس مجرد أزمة موسمية، بل انهيار تدريجي لمنظومة اقتصادية واجتماعية كانت بالكاد متماسكة، الفيديو الذي خرج به الصحفي ليس سوى انعكاس لسطحية الخطاب العام، الذي يركز على المظاهر وينسى الجوهر، تطوان ليست قصرًا في فرنسا، بل مدينة مغربية تحتاج إلى من ينصت لها، لا من يسخر منها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.