على بُعد أسابيع من الاقتراع.. “الترحال السياسي” يشتعل في المغرب، فمن يحاسب مُبدّلي القمصان؟

بثينة مسقال |  تمودة 24

شهر ونصف فقط يفصل المغاربة عن استحقاقات تشريعية حاسمة. وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تتجه الأنظار نحو تقييم الحصيلة الحكومية والبرلمانية ومناقشة البرامج الحزبية للمستقبل، تطفو على السطح، وبشكل فج، ظاهرة مألوفة تتجدد مع كل موعد انتخابي: الترحال السياسي

برلمانيون، وحتى وزراء سابقون، يخلعون قمصان أحزابهم التي دافعوا عنها بشراسة طيلة خمس سنوات، ليرتدوا بين عشية وضحاها قمصان أحزاب كانت بالأمس القريب في خانة الخصوم. مشهد سريالي يطرح تساؤلا جوهريا لطالما أرق الشارع المغربي: أين هي المحاسبة؟ وكيف تحولت الثقة الشعبية إلى مجرد ورقة مساومة في سوق “الميركاتو الانتخابي”؟

العلاقة التعاقدية بين الناخب والمنتخب تبنى أساسا على “البرنامج” و”اللون السياسي”. المواطن عندما يضع ورقته في صندوق الاقتراع، فإنه يمنح صوته لتوجه سياسي معين (أغلبية أو معارضة) ولوعود قدمها الحزب. لكن، حينما يقرر البرلماني تغيير لونه السياسي فجأة هربا من فشل تدبيري أو بحثا عن مقعد آمن، فإنه يضرب مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في مقتل.

فكيف يمكن للناخب أن يحاسب مسؤولا على حصيلته، إذا كان هذا الأخير يقفز من سفينة حزبه القديم فور غرقها، ليطل على المواطنين بـ “عذرية سياسية” جديدة من نافذة حزب آخر؟

دستوريا، كان المشرع المغربي حاسما في محاربة هذه الظاهرة. الفصل 61 من الدستور ينص بصريح العبارة على تجريد أي عضو في البرلمان من صفته إذا تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه. ورغم هذا الوضوح، ينجح محترفو الانتخابات في إيجاد مخارج قانونية ببهلوانية سياسية تثير الاستغراب.

من أبرز هذه المخارج “الاستقالة التكتيكية”؛ حيث ينتظر الأسابيع الأخيرة من عمر الولاية التشريعية لتقديم استقالاتهم، أو يعمدون إلى افتعال أزمات داخلية تدفع أحزابهم لطردهم، مما يمنحهم حرية التعاقد مع أحزاب جديدة وتأمين “التزكية” دون أن تطالهم مقصلة التجريد من المقعد البرلماني خلال فترة الانتداب.

لفهم الظاهرة بشكل أعمق، يجب تسليط الضوء على “الأحزاب المستقبلة”. لماذا تفتح الأحزاب الكبرى أبوابها لمسؤولين تخلوا عن مبادئهم؟

الجواب يكمن في “نموذج الأعيان”. في العديد من الدوائر الانتخابية، وخاصة خارج المحاور الكبرى، لا تبحث الأحزاب عن مناضلين تدرجوا في شبيباتها وتشبعوا بأدبياتها، بل تبحث عن أصحاب النفوذ المالي والقبلي الذين يمتلكون قاعدة انتخابية جاهزة (مقاعد مضمونة). هؤلاء الأعيان لا يهمهم الإيديولوجيا، بل يتفاوضون بمنطق الربح والخسارة؛ يمنحون الحزب مقعدا في البرلمان، مقابل وعود بمناصب عليا، أو رئاسة لجان، أو مقاعد في المكاتب المسيرة.

وهكذا، تتحول بعض الأحزاب من مؤسسات للتأطير السياسي وإنتاج النخب، إلى مجرد “دكاكين انتخابية” تمنح تزكياتها لمن يدفع أكثر من الأصوات، ولو على حساب مناضليها الحقيقيين

إن أخطر ما في ظاهرة الترحال السياسي ليس فقط تغيير الانتماء، بل الأثر المدمر الذي تتركه في وعي المواطن، وخاصة الشباب. فحينما يرى الشاب أن المعارض الشرس للأمس يصبح بقدرة قادر مدافعا عن الأغلبية اليوم، وأن الوعود الانتخابية تتبخر بمجرد الحصول على المنصب، يتولد لديه إحساس بالعبثية وفقدان تام للثقة في جدوى العملية الديمقراطية برمتها.

في النهاية، وأمام هذا النزيف المتكرر، يبقى التساؤل المفتوح الذي يفرض نفسه بقوة على المشهد السياسي المغربي اليوم: إذا كان السياسي يغيّر مبادئه كما يغيّر قميصه بلا حسيب ولا رقيب، فهل يحق لنا حقا أن نلوم المواطن حينما يقاطع صناديق الاقتراع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.