عيد الكتاب بتطوان: انفتاح ثقافي أم اختلال في السيادة الثقافية؟

احتضنت مدينة تطوان فعاليات “عيد الكتاب”، في تظاهرة يُفترض أن تكون فضاءً للاحتفاء بالكتاب المغربي، وتعزيز حضور الناشر الوطني، وإبراز غنى المشهد الثقافي المحلي. غير أن هذه الدورة أثارت نقاشًا واسعًا، تجاوز حدود التنظيم إلى مساءلة جوهر الاختيارات الثقافية المؤطرة للمعرض. أبرز ما طبع هذه النسخة هو الحضور القوي لدار نشر إسبانية، التي حظيت بمساحة عرض وازنة، وسيطرة شبه واضحة على جزء كبير من البرنامج الثقافي، من ندوات وأنشطة موازية. هذا الحضور لم يكن عاديًا، بل تعزز برفع العلم الإسباني داخل الجناح، في مشهد رمزي أثار الكثير من التساؤلات حول دلالاته داخل معرض يُنظم على أرض مغربية وبطابع محلي ووطني. وفي هذا السياق، يطرح عدد من الفاعلين الثقافيين تساؤلًا جوهريًا: إذا كان المعرض ذا طابع محلي ووطني، فما مبرر هذا الحضور الأجنبي الطاغي؟ وحتى في حال كانت هذه الدور تتوفر على تراخيص قانونية للعمل داخل المغرب، فلماذا لم يتم إبراز هويتها المغربية أو الإشارة إلى ارتباطها بالسياق الوطني؟ وأين موقع المغرب في تمثيل هذه الدور داخل فضاء يُفترض أنه يعكس السيادة الثقافية الوطنية؟ وتتعمق هذه التساؤلات أكثر عند الحديث عن طبيعة الكتب المعروضة: هل خضعت هذه الإصدارات فعلًا لمراقبة مديرية الكتاب وفق ما ينص عليه الإطار القانوني المنظم للنشر والتوزيع؟ أم أن هناك نوعًا من التساهل الذي قد يفتح الباب أمام اختلالات تمس بضوابط القطاع؟ في مقابل هذا الحضور الأجنبي القوي، برز تراجع واضح لدور النشر المحلية والوطنية، التي اشتكت من محدودية المساحات وضعف التمثيلية داخل البرنامج الثقافي. وهو ما اعتبره مهنيون شكلًا من أشكال التهميش غير المبرر، خاصة وأن هذه التظاهرات يفترض أن تكون رافعة أساسية لدعم الفاعل الثقافي المغربي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سُجل أيضًا غياب لافت لعدد من مثقفي وأدباء المدينة، في مشهد يطرح علامات استفهام إضافية حول مدى إشراك النخب المحلية في رسم ملامح هذا الحدث. فكيف يمكن لمعرض يُنظم في مدينة عريقة ثقافيًا أن يغيب عنه صوت مثقفيها؟ إن الانفتاح على الثقافات الأخرى يظل خيارًا محمودًا وضروريًا في عالم اليوم، غير أن هذا الانفتاح يجب أن يتم في إطار من التوازن والندية، لا أن يتحول إلى هيمنة تُضعف الحضور الوطني داخل فضائه الطبيعي. فالمعرض الثقافي ليس مجرد فضاء للعرض، بل هو تعبير عن اختيارات وهوية وسياسات. ما حدث في “عيد الكتاب” بتطوان يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة الثقافية: كيف نُوازن بين الانفتاح وصون الهوية؟ وكيف نضمن أن يكون الفاعل المحلي في صلب هذه التظاهرات، لا على هامشها؟ أسئلة مشروعة تنتظر إجابات واضحة، في أفق دورات قادمة أكثر إنصافًا، تُعيد الاعتبار للناشر المغربي، وتُشرك مثقفي المدينة، وتُرسخ تظاهرة تعكس بحق روح الثقافة الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.