فلسطين في مزاد السياسة .. هل تصبح مقعدا انتخابيا؟

تمودة 24 : انوار الشرادي

في زمن تسحق فيه غزة تحت نيران المحتل، وترفع أعلامها في شوارع المغرب بحرارة القلوب لا ببرودة الشعارات، يطل علينا حزب العدالة والتنمية، عبر مؤتمره الوطني التاسع، مستضيفا فوزي برهوم، الناطق الرسمي باسم حركة حماس ،حضور لا يثير الجدل بسبب الرجل نفسه، بل بسبب ما يراد من ورائه: هل هي رسالة دعم للمقاومة أم مجرد محاولة يائسة لاستعادة مقعد ضائع في انتخابات لم ترحم؟.

في هذا المشهد الملتبس، تصبح فلسطين مرة أخرى ورقة تلوح بها بعض الأحزاب، لا نصرة، بل مساومة، وفي القلب من هذه المزايدة، يتقاطع اسم برهوم مع عودة بنكيران، في معادلة سياسية تسألنا: من يرفع راية المقاومة حقا، ومن يرفعها كشعار موسمي؟.

نعم ثم نعم ،بين برهوم وبنكيران من يرفع راية ومن يرفع شعارا؟.

ومما لا شك فيه أن حضور فوزي برهوم، كأحد أبرز ضيوف المؤتمر الوطني التاسع لحزب العدالة والتنمية، أثار جدلا واسعا بين داعمي المقاومة ومشككي نوايا الحزب.

فمن جهة، هناك من يرى في هذا الحضور دعما رمزيا لخيار المقاومة في وقت حساس، ومن جهة أخرى،هناك من يراه محاولة مكشوفة من حزب مأزوم لإحياء شرعية سياسية تآكلت عقب نكسة انتخابات 2021، التي هبط فيها من 125 مقعدا إلى 13 فقط.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن مشهد الشوارع المغربية التي تموج بالاحتجاجات والمسيرات لأجل غزة – من الرباط إلى فاس، ومن الدار البيضاء إلى طنجة،ومن مراكش إلى اكادير– يعبّر عن دينامية شعبية لا علاقة لها لا بعودة بنكيران ولا بأجواء المؤتمر المرتقب، وإنما هو، بطبيعته، نداء ضمير جمعي تجاوب معه الشارع المغربي، لا استجابة لنداء الأحزاب.

وعلى هذا الأساس، تقود جماعة العدل والإحسان اليوم الحراك الشعبي بقوة تنظيمها وتماسك خطابها، مدعومة بفاعلين من تيارات يسارية ونقابية وحقوقية، في المقابل، لا تتجاوز مساهمة حزب العدالة والتنمية حدود التلويح بورقة فلسطين كورقة مستهلكة لإعادة تعويم موقعه السياسي، بعدما خسر الكثير، وأوغل في التطبيع.

وما لا يدع مجالًا للشك، هو أن القضية الفلسطينية لم تكن يوما ملكا لأحد، ولا بضاعة تسوق في أسواق الانتخابات،فكما سبق أن استقبل حزب الاستقلال والد الشهيد محمد الدرة، ها هو اليوم حزب العدالة والتنمية يستقبل فوزي برهوم. والغاية، واحدة: دغدغة مشاعر الناس لكسب أصواتهم في موسم الجفاف السياسي.

وعلى خلاف ذلك، يدرك المغاربة الذين منحوا بنكيران أصواتهم ذات يوم، أن “من يتاجر بفلسطين لا يدافع عنها”، وأن المصداقية لا تبنى على صور موسمية مع رموز المقاومة، بل على مواقف راسخة.

في هذا الإطار، ينعقد مؤتمر البيجيدي بينما البيت الداخلي للحزب يشكو تصدعات حادة: تنظيم منهك، قيادة بلا بدائل، وزعيم عائد بشعارات مستهلكة، يراهن على فراغ سياسي صنعته حكومة أخنوش أكثر مما يراهن على مشروع حقيقي ،وعلى هذا، فالرجل يراهن، بكل بساطة، على ما لا يملك، لا على ما يملك.

وإذا ما انتقلنا إلى جوهر الموضوع، نجد أن الأسئلة الحقيقية مغيبة بالكامل. فما هو البرنامج النضالي للحزب ؟ وما موقعه في ظل جزر ديمقراطي؟ وكيف يمكن ترميم الثقة المهزوزة في صناديق الاقتراع؟ وعلى أي أساس نعيد الاعتبار للتعليم، والحقوق والحريات. العامة ، والصحة، وقبة البرلمان ، و القيم والأخلاق مكانتها لدى المجتمع؟.

وعليه، فإن تحويل فلسطين إلى مجرد “كلمة شكر في خطبة”، أو “صورة مع ضيف مقاوم”، لا يخدم القضية، بل يسهم في تسليعها. وهي، في النهاية، أكبر من أن تكون عنوانا لحملة انتخابية سابقة لأوانها.

وبناءً على ذلك، تصبح فلسطين مقياسا واختبارا، لا ورقة ضغط. واختبار اليوم يظهر بوضوح أن الشعب المغربي ، في عمومه، انتصر للقضية، في حين خانتها بعض الأحزاب.

ورغم كل هذا، لا بد من الإقرار بأن حزب العدالة والتنمية – وإن أصابه ما أصابه من تراجع سياسي – يظل من الأحزاب القليلة التي لم تسجل في سجلاتها فضائح فساد أو اختلاس للمال العام.

وفي الوقت الذي جرت فيه شخصيات سياسية من أحزاب أخرى إلى محاكم جرائم الأموال بتهم ثقيلة، ظل “المصباح” محافظا على سمعته الأخلاقية، وهي نقطة نادرة في المشهد السياسي الحزبي الوطني .

لكن النزاهة وحدها لا تصنع مشروعا سياسيا، ولا تعيد بناء الثقة، إن لم تُترجم إلى مواقف واضحة ورؤية واقعية.

ولعل ما يجب التأكيد عليه، أن التاريخ لا يرحم المتاجرين بالمبادئ، وأن الشعوب لا تنسى من باع ومن صمد.

وفي زمن تسقط فيه الأقنعة، يبقى الموقف هو الفيصل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.