مشروع بـ28 مليون دولار لإنقاذ الفلاحة المسقية من فاتورة الكهرباء المرتفعة بحوض اللوكوس.
وزان – تراهن منطقة اللوكوس، شمال المغرب، على مشروع طموح يجمع بين الطاقات المتجددة والاقتصاد في الموارد المائية، في مسعى لتخفيف الأعباء المالية التي تثقل كاهل الفلاحين، بسبب الارتفاع المتواصل لتكاليف ضخ المياه ونقلها نحو الأراضي الزراعية، خصوصا بالمناطق التي تعتمد بشكل كبير على الري الاصطناعي.
ويتمثل المشروع في إحداث محطة لإنتاج الطاقة الكهربائية اعتمادا على الألواح الشمسية العائمة فوق مياه سد وادي المخازن، بهدف توفير مصدر للطاقة يساهم في تشغيل منظومة ضخ مياه الري، وتقليص الاعتماد على الكهرباء التقليدية، بما من شأنه خفض تكاليف الإنتاج الفلاحي وتحسين مردودية الاستثمارات الزراعية بالمنطقة.
غير أن هذا المشروع، الذي تقدر كلفته الإجمالية بنحو 28 مليون دولار، لا يزال ينتظر تعبئة التمويلات الضرورية للشروع في تنفيذه، رغم مرور حوالي أربع سنوات على انطلاق التحضيرات والدراسات المرتبطة به، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الصعوبات التي تواجه الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الماء والطاقة.
أصجن.. نموذج لتحديات الري وكلفة الطاقة
وتبرز منطقة أصجن بإقليم وزان حجم الإشكال الذي تواجهه الفلاحة المسقية بحوض اللوكوس، حيث تتطلب المساحة الفلاحية المجهزة، التي تمتد على حوالي 4000 هكتار، توفير ما يقارب 16 مليون متر مكعب من المياه سنويا، لتلبية حاجيات الأنشطة الزراعية وضمان استمرارية الإنتاج.
لكن المعطيات التقنية التي أعدتها الشراكة العالمية للمياه في المتوسط خلال سنة 2025 تشير إلى أن المساحة المستغلة فعليا لا تتجاوز 2500 هكتار، وهو ما يعكس وجود تحديات متعددة تحول دون الاستغلال الكامل للإمكانات الفلاحية المتاحة، وفي مقدمتها كلفة توفير مياه السقي والطاقة اللازمة لضخها وتوزيعها.
ولا تقتصر هذه التحديات على توفير الموارد المائية فحسب، بل تمتد إلى الكلفة المرتفعة المرتبطة بنقل المياه من مصادرها إلى الضيعات الفلاحية، خاصة في ظل الاعتماد على أنظمة الضخ الكهربائي التي تستنزف جزءاً مهماً من ميزانيات الاستغلال الزراعي.
وتنعكس هذه الوضعية بشكل مباشر على تنافسية المنتوجات الفلاحية، إذ يجد الفلاح نفسه أمام معادلة صعبة تجمع بين ضرورة تأمين مياه الري، والتحكم في مصاريف الطاقة، والحفاظ على مردودية النشاط الزراعي في ظل تقلبات الظروف المناخية والأسعار.
الألواح الشمسية العائمة.. حل مزدوج لمشكلتي الماء والطاقة
ويأتي مشروع المحطة الشمسية العائمة فوق مياه سد وادي المخازن في سياق البحث عن حلول تجمع بين إنتاج الطاقة النظيفة وتحسين تدبير الموارد المائية، من خلال استغلال المساحات المائية لإنجاز منشآت لإنتاج الكهرباء بواسطة الطاقة الشمسية.
وتقوم هذه التقنية على تثبيت ألواح شمسية فوق منصات عائمة على سطح المياه، بما يسمح باستغلال المجال المائي لإنتاج الكهرباء دون الحاجة إلى تخصيص مساحات واسعة من الأراضي الزراعية أو العقارية لإقامة المحطات الشمسية التقليدية.
ومن المنتظر أن يساهم هذا التوجه، في حال تنفيذ المشروع، في توفير جزء من الاحتياجات الكهربائية المرتبطة بمنظومة ضخ مياه الري، الأمر الذي قد يساعد على تقليص النفقات التشغيلية وتحسين ظروف استغلال الأراضي الفلاحية المجهزة.
كما تتيح المحطات الشمسية العائمة، من حيث المبدأ، الاستفادة من المساحات المائية المتاحة لإنتاج الطاقة المتجددة، مع إمكانية الحد من تبخر المياه في بعض ظروف التشغيل، وإن كانت النتائج الفعلية تظل مرتبطة بتصميم المحطة ومساحتها وتأثيرها على النظام البيئي للسد.
وبذلك، لا ينحصر الرهان في إنتاج الكهرباء من مصدر نظيف، وإنما يتجاوز ذلك إلى إرساء نموذج متكامل يربط بين الأمن المائي والأمن الطاقي، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استدامة النشاط الفلاحي.
مشروع ينتظر التمويل رغم مرور أربع سنوات على التحضير
ورغم الأهمية التي يكتسيها المشروع بالنسبة إلى مستقبل الفلاحة المسقية بالمنطقة، فإن عدم تأمين التمويل اللازم يظل العائق الأساسي أمام الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، خصوصاً أن الكلفة المقدرة بنحو 28 مليون دولار تستدعي تعبئة موارد مالية مهمة وتنسيقاً بين مختلف الشركاء والمؤسسات المعنية.
ويعيد هذا التأخر إلى الواجهة إشكالية تمويل المشاريع المهيكلة التي تستهدف مواجهة آثار الإجهاد المائي وارتفاع تكاليف الطاقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمبادرات تتطلب استثمارات أولية كبيرة، لكنها تستهدف تحقيق منافع اقتصادية وبيئية على المدى المتوسط والبعيد.
كما يطرح استمرار انتظار التمويل تحدياً إضافياً أمام الفلاحين والمستثمرين بالمنطقة، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج، والحاجة إلى تحديث أنظمة الري، والبحث عن مصادر بديلة للطاقة.
ومن شأن تسريع وتيرة تعبئة التمويلات أن يفتح المجال أمام اختبار نموذج جديد لتدبير العلاقة بين الماء والطاقة في المجال الفلاحي، مع إمكانية الاستفادة من التجربة لتطوير مشاريع مماثلة في مناطق أخرى تعتمد على الضخ الكهربائي المكثف.
بين تحديات المناخ ورهانات التنمية الفلاحية
ويكتسي المشروع أهمية خاصة في ظل التحولات المناخية التي تؤثر على الموارد المائية بالمغرب، حيث أصبحت مسألة ترشيد استهلاك المياه وتحسين كفاءة استعمالها من الأولويات المطروحة أمام القطاع الفلاحي.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتوفير كميات كافية من مياه السقي، وإنما أيضاً بضمان وصول هذه المياه إلى الأراضي الزراعية بأقل تكلفة ممكنة، والحد من الهدر في عمليات النقل والتوزيع، واعتماد تقنيات أكثر نجاعة في استعمال الموارد المتاحة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل الجمع بين الطاقة الشمسية وأنظمة الري الحديثة مدخلاً لتطوير نموذج فلاحي أكثر قدرة على مواجهة التقلبات المناخية والضغوط الاقتصادية، شريطة أن يواكب ذلك تحديث شبكات التوزيع، وتحسين مردودية تجهيزات الضخ، واعتماد آليات فعالة لمراقبة استهلاك المياه.
كما يظل من الضروري تقييم الآثار البيئية المحتملة للألواح العائمة على النظام الإيكولوجي لسد وادي المخازن، وضمان احترام المعايير المرتبطة بجودة المياه والتنوع البيولوجي وسلامة المنشآت المائية.
اللوكوس أمام اختبار الانتقال إلى الفلاحة المستدامة
ويعكس مشروع المحطة الشمسية العائمة بسد وادي المخازن توجهاً جديداً في التفكير في مستقبل الفلاحة المسقية بحوض اللوكوس، يقوم على تجاوز الحلول التقليدية والبحث عن تكامل فعلي بين الموارد المائية والطاقات المتجددة.
فنجاح هذه المبادرة لن يقاس فقط بقدرتها على إنتاج الكهرباء، وإنما أيضاً بمدى مساهمتها في خفض كلفة مياه الري، وتوسيع المساحات الفلاحية المستغلة، وتحسين دخل الفلاحين، وتعزيز جاذبية الاستثمار الزراعي بالمنطقة.
وبين طموح التحول الطاقي وإكراهات التمويل، يبقى المشروع أمام تحدي إخراجه إلى حيز التنفيذ، حتى تتحول الدراسات والتحضيرات التي امتدت لسنوات إلى منشأة عملية قادرة على تقديم حلول ملموسة لإحدى أبرز معضلات الفلاحة المسقية بشمال المغرب.