جهة طنجة تطوان الحسيمة.. ثقل اقتصادي متصاعد وتفاوتات مجالية تبحث عن الإنصاف
بين جاذبية طنجة للاستثمارات الدولية ومحدودية استفادة عدد من الأقاليم الطرفية، يبرز تحدي تحقيق تنمية ترابية متوازنة تضمن توزيعا أكثر عدالة لفرص الشغل والاستثمار والثروة.
تتوفر جهة طنجة تطوان الحسيمة على مؤهلات استراتيجية واقتصادية وجغرافية تجعلها إحدى أبرز الوجهات المغربية الجاذبة للاستثمارات الوطنية والأجنبية، خصوصا في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصناعة والتجارة الدولية. فموقعها الجغرافي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وقربها من الفضاء الأوروبي، إلى جانب احتضانها لميناء طنجة المتوسط وبنيات تحتية طرقية ومينائية وصناعية متطورة، عوامل أسهمت في تعزيز مكانتها ضمن خارطة الاقتصاد الوطني والدولي.
غير أن هذا الزخم الاقتصادي، على أهميته، يطرح في المقابل سؤالا جوهريا حول مدى انعكاسه على مختلف أقاليم الجهة، ومدى قدرة الدينامية الاستثمارية التي يشهدها قطب طنجة على خلق فرص تنموية متكافئة تشمل تطوان والمضيق الفنيدق والعرائش وشفشاون والحسيمة ووزان، بعيدا عن استمرار تمركز الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة في مجالات ترابية محددة.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه طنجة قطبا صناعيا ولوجستيا دوليا، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ومنظومة متكاملة من البنيات التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية، لا تزال أقاليم أخرى تواجه تحديات مرتبطة بضعف جاذبية الاستثمار، ومحدودية العرض الاقتصادي، وصعوبة خلق فرص شغل مستدامة، فضلا عن استمرار بعض الاختلالات المرتبطة بالنقل والتجهيزات والخدمات الأساسية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من الأثر الإيجابي للاستثمارات الكبرى التي احتضنتها الجهة، بل بضرورة الانتقال من منطق النمو الاقتصادي المتمركز إلى منطق التنمية الجهوية المندمجة، التي تجعل من مختلف الأقاليم فضاءات منتجة ومساهمة في الدورة الاقتصادية، بدل أن تظل بعض المناطق في موقع المتلقي المحدود لثمار التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجهة.
طنجة المتوسط.. قاطرة اقتصادية تحتاج إلى امتداد ترابي
لا يمكن الحديث عن التحول الاقتصادي الذي تعرفه جهة طنجة تطوان الحسيمة دون التوقف عند الدور الذي أصبح يلعبه ميناء طنجة المتوسط، باعتباره منصة لوجستية وصناعية ذات امتداد دولي، ساهمت في استقطاب شركات متعددة الجنسيات وتعزيز موقع المغرب في سلاسل التجارة والإنتاج العالمية.
وقد أفرز هذا التحول منظومة اقتصادية جديدة، تقوم على النقل البحري والخدمات اللوجستية والتخزين والصناعات التصديرية، إلى جانب أنشطة مرتبطة بالمناولة والخدمات والتوزيع. غير أن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على مواصلة استقطاب الاستثمارات، وإنما يتجاوز ذلك إلى توسيع دائرة المستفيدين من هذه الدينامية، عبر ربط المناطق الصناعية واللوجستية بمحيطها الجهوي، وتعزيز مساهمة باقي الأقاليم في سلاسل القيمة المرتبطة بهذه الأنشطة.
فالموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به الجهة لا ينبغي أن يظل امتيازا محصورا في المجال الحضري والصناعي لطنجة، بل يمكن أن يشكل رافعة لتطوير أنشطة اقتصادية متكاملة في باقي الأقاليم، وفق خصوصيات كل مجال ومؤهلاته الطبيعية والبشرية والاقتصادية.
الأقاليم الطرفية.. مؤهلات قائمة وتحديات متراكمة
تتوفر أقاليم الجهة خارج قطب طنجة على إمكانات متنوعة يمكن أن تشكل أساسا لتنمية اقتصادية أكثر توازنا. فتطوان والمضيق الفنيدق تتوفران على مؤهلات سياحية وتجارية وخدماتية، فيما يتيح إقليم العرائش إمكانات مهمة في المجال الفلاحي والصناعات الغذائية والأنشطة البحرية.
أما شفشاون، فتتوفر على رصيد طبيعي وسياحي وثقافي قادر على دعم اقتصاد محلي قائم على السياحة المستدامة والمنتجات المجالية، في حين يمتلك إقليم الحسيمة مؤهلات بحرية وسياحية ومجالية يمكن توظيفها في تطوير أنشطة اقتصادية منتجة. كما تتيح مؤهلات إقليم وزان فرصا لتثمين المنتجات الفلاحية المحلية وتطوير الصناعات المرتبطة بها.
لكن تحويل هذه المؤهلات إلى فرص استثمارية حقيقية يظل رهيناً بتوفير شروط أساسية، في مقدمتها تحسين البنيات التحتية، وتطوير الربط الطرقي والسككي واللوجستي، وتسهيل الولوج إلى العقار الاقتصادي، وتوفير العقار المجهز، فضلا عن تعزيز التكوين المهني وربطه بحاجيات المقاولات والمستثمرين.
كما أن جاذبية الاستثمار لا ترتبط فقط بالإعفاءات والتحفيزات المالية، بل تحتاج إلى بيئة اقتصادية متكاملة، تتوفر فيها الخدمات الإدارية الفعالة، والموارد البشرية المؤهلة، والبنيات الأساسية القادرة على ضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية وتنافسيتها.
العدالة المجالية.. من الخطاب إلى السياسات العمومية
إن استمرار التفاوتات الاقتصادية بين أقاليم الجهة يضع مسألة العدالة المجالية في صلب النقاش حول مستقبل التنمية الترابية. فالتنمية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات المستقطبة أو عدد المشاريع الصناعية المنجزة، وإنما كذلك بمدى انعكاس هذه الاستثمارات على مستوى عيش السكان، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى بلورة رؤية جهوية متكاملة تتجاوز المقاربات القطاعية والمبادرات المعزولة، نحو تصور تنموي يربط بين المؤهلات الاقتصادية لكل إقليم وبين المشاريع الكبرى التي تعرفها الجهة.
ويقتضي ذلك اعتماد خريطة جهوية للاستثمار تراعي الخصوصيات المجالية، وتحدد القطاعات الواعدة بكل إقليم، مع توجيه جزء من الدينامية الاستثمارية نحو المناطق التي لا تزال خارج محاور النمو الرئيسية. كما يستدعي تعزيز التنسيق بين مجلس الجهة والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، لضمان التكامل بين المشاريع والبنيات التحتية والبرامج التنموية.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية تطوير منظومة النقل والتنقل بين أقاليم الجهة، باعتبارها عنصرا أساسيا في تحقيق الاندماج الاقتصادي. فلا يمكن الحديث عن جهة اقتصادية متكاملة في ظل استمرار صعوبات الربط بين بعض أقاليمها، أو محدودية وصول المقاولات والمستثمرين إلى البنيات اللوجستية والأسواق ومراكز الإنتاج.
نحو نموذج تنموي جهوي أكثر توازنا
إن الرهان الحقيقي الذي تواجهه جهة طنجة تطوان الحسيمة اليوم يتمثل في قدرتها على تحويل قوتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي إلى رافعة تنموية تشمل مختلف مكوناتها الترابية. فنجاح قطب طنجة في استقطاب الاستثمارات الدولية ينبغي أن يشكل فرصة لباقي الأقاليم، وليس عاملا يعمق الفوارق بينها وبين المركز الاقتصادي للجهة.
كما أن استدامة النموذج الاقتصادي الجهوي تقتضي توسيع قاعدة الاستثمار، وتنويع الأنشطة الاقتصادية، وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وربط التكوين بالتشغيل، مع إيلاء أهمية خاصة للاقتصاد المحلي والأنشطة الإنتاجية التي تستجيب لخصوصيات كل إقليم.
وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط كيف تستطيع جهة طنجة تطوان الحسيمة استقطاب المزيد من الشركات متعددة الجنسيات، وإنما كيف يمكن جعل هذه الاستثمارات محركا لتنمية جهوية شاملة، تستفيد منها مختلف الأقاليم والفئات الاجتماعية.
فالتحدي لم يعد مرتبطا فقط بتعزيز موقع الجهة ضمن الخريطة الاقتصادية الوطنية والدولية، بل بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين جاذبية الاستثمار ومتطلبات العدالة المجالية، حتى لا تتحول النجاحات الاقتصادية التي تحققها بعض مراكزها إلى صورة تعكس نموا غير متكافئ داخل المجال الجهوي نفسه.