تطوان في الصيف : ممر نحو البحر أم وجهة سياحية ضائعة ؟
بثينة مسقال : تمودة 24 …
مع حلول كل فصل صيف، تتحول جهة تطوان إلى القبلة الأولى لآلاف الزوار، سواء من مغاربة العالم (الجالية) أو من السياح الداخليين. حركة دؤوبة، واختناق مروري، وانتعاش اقتصادي واضح.. لكن التدقيق في تفاصيل هذه الخريطة السياحية يكشف عن مفارقة صارخة: تطوان المدينة تكاد تكون “محطة عبور” أو “مأوى ليلى”، بينما تذهب الحصة الأسد من العائدات الاقتصادية والسياحية إلى المدن الشاطئية المجاورة (مرتيل، المضيق، الفنيدق، أزلا، واد لو).
فهل تستفيد تطوان فعليا من هذا الإنزال السياحي؟ وأين تكمن الحلقة المفقودة لتحويل “الحمامة البيضاء” من مجرد ممر للشواطئ إلى وجهة سياحية وثقافية قائمة بذاتها؟
يختزل الواقع الحالي سياحة مدينة تطوان في مسار كلاسيكي ضيق: جولة مسائية في شارع محمد الخامس، مرورا بساحة “المشور السعيد”. أما “المدينة العتيقة” المصنفة تراثا عالميا للإنسانية من طرف اليونسكو منذ عام 1997 فتظل خارج دائرة الاستغلال السياحي الأمثل.
إن الدخول إلى عمق المدينة العتيقة بات مغامرة محكومة بتوقيت صارم؛ فالزائر مضطر لاختيار الصباح الباكر لتفادي العشوائية والازدحام الخانق، بينما تتحول الطرقات ابتداء من الظهيرة إلى مسارات شبه مستحيلة بفعل الترامي على الملك العمومي والأسواق العشوائية.
الجهود الملكية الكبيرة التي بذلت في إطار برنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة لتطوان. دفعت السلطات إلى القيام بحملات تنظيمية صارمة لردع الخروقات، وإزالة باعة “الخردة”، وتحرير المسارات السياحية من البيع العشوائي.
لكن، ومع مرور الوقت، تلاشت تلك الصرامة وعادت “حليمة إلى عاداتها القديمة”. غياب الاستمرارية في المراقبة جعل المكتسبات تضيع، لتعود العشوائية وتشوه جمالية المعمار الأندلسي العريق.
يكمن الخلل في غياب الحزم المستدام حول أسواقا متخصصة إلى بؤر عشوائية. على سبيل المثال، سوق السمك يجب أن ينضبط لمكانه الطبيعي في “المصداع” دون أن يمتد ليلوث باقي الأحياء المجاورة بروائحه وفوضاه. أما “السوق الفوقي”، الذي يشكل ممرا سياحيا رئيسيا، فقد بات يئن تحت وطأة باعة “الخردة” والمتلاشيات، مما يمنحه مظهرا بشعا لا يليق بتاريخ المدينة.
المقارنة الاقتصادية بين سياحة الشواطئ و السياحة الثقافية: فإن سياحة الشواطئ بطبيعتها “موسمية وعابرة” تستمر لشهرين فقط، بينما تطوان تمتلك مقومات السياحة الثقافية والمتاحف والمعمار التي يمكن أن تجلب السياح طيلة أشهر السنة (الخريف والشتاء) لو تم تنظيمها.
و من الإنصاف القول إن جماعة تطوان قامت بجهود ملموسة لتسهيل زيارة المدينة؛ حيث تم وضع خرائط توضيحية عند المداخل تبين تاريخ المعالم والمسارات السياحية. هذه خطوة ممتازة، لكنها تظل غير كافية إن لم تترافق مع تغيير حقيقي على أرض الواقع.
الخرائط ترشد السائح، لكنها لا تحميه من تشوه المنظر العام..
لذلك فإن المطلب الأساسي اليوم والمستعجل ليس فقط إبعاد باعة الخردة عن الممرات، بل تعويضهم بشكل نهائي ومنحهم مكانا مخصصا خارج الجغرافية الضيقة للمدينة العتيقة. هذا الإجراء سيمكن الحرفيين من العمل في ظروف أفضل، ويعيد للمدينة العتيقة قيمتها وهدوءها.
إن مدينة تطوان لا تطلب مستحيلا؛ بل تطالب بحقها العادل من التنمية السياحية. ولن يتأتى ذلك إلا بـتطهير فوري ومستدام للمدينة العتيقة، وإعادة الهيكلة التنظيمية للأسواق، وفرض القانون على الباعة العشوائيين. لقد حان الوقت لينتقل دور المسؤولين من “حملات موسمية مؤقتة” إلى “مخطط تدبيري دائم”، حتى لا تظل الحمامة البيضاء مجرد خلفية جميلة لالتقاط الصور في طريق الذهاب إلى الشاطئ.