شوارع تطوان الصيفية: بين فوضى “السترات الصفراء” ورهان لقمة العيش

بثينة مسقال: تمودة 24 …

مع اقتراب فصل الصيف من كل سنة، تطفو على سطح الأحداث بمدينة تطوان مفارقة ديموغرافية وسياحية مثيرة؛ فالمدينة التي تتميز طيلة فصول السنة ببنية سكانية هادئة وكثافة منخفضة، تجد نفسها فجأة تحت ضغط تدفق سياحي هائل يقلب هدوءها رأساً على عقب ويكتسح شوارعها واكتظاظاً شديداً. هذا الرواج، بالرغم من انعكاساته الإيجابية على الحركية الاقتصادية، بات يرافقه تمدد لظاهرة تؤرق مضجع الساكنة المحلية والزوار على حد سواء، وتتحول تدريجياً إلى “صداع رقم واحد” في منظومة السير والجولان: إنها الفوضى العارمة التي يفرضها انتشار “حراس مواقف السيارات” الذين احتلوا الملك العام دون رقيب، وباتوا يتصرفون في الشوارع وكأنها ملكية خاصة تخضع لشرائعهم المستقلة.
إن المقاربة الموضوعية والحيادية لهذا الملف الشائك تقتضي منا الوقوف على خط رفيع يفصل بين بعدين أساسيين؛ أولهما بعد اجتماعي إنساني يرتبط بالحق في العيش ومواجهة شبح الفقر والبطالة التي تشتد وطأتها على أبناء المدينة، وثانيهما بعد قانوني وأخلاقي يتعلق بحماية الفضاء العام وحقوق المواطنين من الشطط والابتزاز. فلا أحد يجادل في نبل مساعي خلق حركية اقتصادية محلية تنتشل الشباب والكهول من العوز، لكن الإشكال يكمن في تحول هذه الغاية النبيلة إلى وسيلة تشرعن الفوضى وتفرز ظواهر مشوهة يتداخل فيها كسب القوت اليومي بمظاهر “البلطجة” والاستقواء بقوة الأمر الواقع على أصحاب المركبات.
وتتجلى أولى مظاهر هذه المعاناة في الاستنزاف المادي المباشر لجيوب المواطنين؛ فقد أصبحت المصاريف اليومية المخصصة لركن السيارة (الباركينغ) تشكل عبئاً حقيقياً يفوق في أحيان كثيرة ما ينفقه الشخص أو العائلة في المقاهي والمرافق الترفيهية. ففي جولة قصيرة بين شوارع المدينة، يجد السائق نفسه مضطراً لتقديم “إتاوات” متكررة لحراس متعددين بحسب تسعيرات مزاجية وعشوائية تفرض ضداً على القوانين المنظمة، وتزداد حدتها وارتفاعها مع حلول الفترة المسائية أو بالقرب من نقط الجذب السياحي، والويل لمن سولت له نفسه النقاش أو الاعتراض على تلك المبالغ المفروضة.
والطامة الكبرى التي تزيد منسوب الغموض والاستياء وسط هذا المشهد المرتبك، هي رؤية بعض هؤلاء الحراس وهم يعلقون “رخصاً وشارات” على صدورهم وعناقهم، مستغلين إياها لإضفاء شرعية قانونية على تحركاتهم واستقوائهم على المواطن. وهنا يطرح السؤال الحارق نفسه بحدة: من أين لهؤلاء بهذه الرخص؟ ومن هي الجهات التي تمنح صكوك استغلال شوارع وأزقة هي في الأصل ملك عمومي مشترك، ومجاني بموجب المقتضيات القانونية والقرارات الجبائية المنظمة؟ إن غياب المراقبة الصارمة والشفافية في طريقة منح أو تدبير هذه الشارات يساهم بشكل مباشر في استدامة هذا الوضع وتوسيع رقعة العشوائية.
وتكتمل فصول هذه المعضلة وتتضح معالم “الغبش القانوني” فيها عند حدوث أي مكروه أو حادثة للسيارة وهي مركونة؛ ففي الوقت الذي يتسابق فيه الحراس ويستقوون لانتزاع مقابل مالي بمجرد وقوف المركبة أو محاولتها المغادرة، يتنصل الجميع بالكامل من المسؤولية في حال تعرضت السيارة لأي صدمة، أو خدش، أو سرقة، أو تخريب. فلا الحارس “الحامل للرخصة” يملك ضمانات أو تعويضات يقدمها للمتضرر، ولا الحارس العشوائي يعترف بمسؤوليته، لتجد الساكنة والزوار أنفسهم في حلقة مفرغة، ضحايا لمنظومة ريعية تأخذ أموالهم دون أن تقدم لهم في المقابل أي حماية أو خدمة حقيقية.
إن معالجة ملف مواقف السيارات في مدينة بحجم وتاريخ وتطلعات تطوان السياحية، لا يمكن أن يستمر بمنطق “النعامة” أو الحلول الترقيعية الموسميّة. إن الأمر يتطلب شجاعة سياسية وإدارية من الجهات الوصية والمجلس الجماعي لإعادة قطار تدبير الملك العمومي إلى سكته الصحيحة، عبر تفعيل آليات مراقبة حازمة وصارمة تضمن صون كرامة الفئات الهشة الباحثة عن لقمة العيش بشرف، دون السماح بابتزاز المواطنين أو ترك شوارع “الحمامة البيضاء” رهينة لمنطق القوة والسترات الصفراء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.