هل تنجح السلطات في الحملة الجديدة لتحرير الملك العمومي وإنهاء الفوضى بالعرائش؟
تمودة 24 : العرائش / انوار الشرادي
تعيش مدينة العرائش، كغيرها من المدن المغربية، إشكالية معقدة تتعلق باحتلال الملك العمومي، حيث أصبحت الأرصفة والساحات فضاءات مشاعة لمجموعة من الأنشطة التجارية العشوائية، مما أثر سلبا على جمالية المدينة وحق الساكنة في التنقل بحرية وأمان.

ومع انطلاق حملة تحرير الملك العمومي من قبل السلطات المحلية، يبرز التساؤل حول مدى نجاعة هذه الحملات، وآليات إنجاحها لتجنب تكرار الفشل الذي شهدته تجارب سابقة.
لم تكن الحملات السابقة لتحرير الملك العمومي كافية للقضاء على الظاهرة، نظرا لطابعها المفاجئ وعدم مرافقتها بحلول بديلة تضمن استدامة النتائج،غالبا ما يتم تنفيذ هذه التدخلات بطريقة صادمة للباعة وأصحاب المحلات، مما يؤدي إلى مواجهات أو احتجاجات قد تعطل عملية التنظيم بدل أن تساهم فيها، كما أن التدخلات العشوائية تخلق ارتباكا في صفوف الفئات المستهدفة، خاصة الباعة الجائلين الذين لا يجدون بديلا اقتصاديا سريعا يعوضهم عن خسائرهم، فلا يمكن أن يفرض المنع المطلق بين عشية وضحاها دون دراسة تبعاته، خصوصا أن أغلب هؤلاء الباعة يستثمرون كل رأس مالهم في سلعة يعرضونها للبيع، ليجدوا أنفسهم فجأة محرومين من مصدر رزقهم ودون أي حلول بديلة. وهذا قد يؤدي إلى ردود فعل غير متوقعة، خاصة من طرف الشباب أو أرباب الأسر الذين يعتمدون بشكل كلي على هذا النشاط الاقتصادي.
لضمان نجاح هذه الحملة واستمراريتها، لا بد من نهج سياسة متدرجة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة كل فئة من مستغلي الملك العمومي، والبحث عن حلول واقعية تتماشى مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئة من المجتمع، ومن بين المقترحات العملية التي يمكن أن تسهم في حل هذه الإشكالية، إشراكهم في صنع القرار من خلال فتح قنوات حوار مع ممثلي التجار والباعة الجائلين، والبحث عن حلول توافقية تحترم القانون، وتحافظ في الوقت نفسه على مصادر رزقهم، كما أن توفير البدائل أمر ضروري، فلا يمكن أن ينجح أي مشروع لتحرير الملك العمومي دون توفير أماكن وأسواق نموذجية للباعة الجائلين وتأهيل فضاءات مخصصة للأنشطة التجارية التي تعتمد على استغلال الفضاء العام.
التدرج في التنفيذ يمثل ركيزة أساسية في أي خطة تنظيمية، حيث يجب البدء بالفئات القارة مثل المقاهي والمطاعم والمتاجر التجارية ، وذلك باتباع المساطر القانونية، مثل الاستعانة بالمفوض القضائي لتسجيل المخالفات في حالة اللجوء إلى القضاء، مع تشكيل لجنة مختصة لمتابعة مدى الالتزام بالإجراءات المتخذة.
إن النجاح في تنظيم هذه الفئات أولا سيرسل رسالة واضحة لباقي مستغلي الملك العمومي بأن زمن الفوضى قد انتهى، وأن السلطات عازمة على استعادة النظام في الفضاء العام بشكل جاد وحازم.
غير أن كل هذه التدابير، مهما بلغت فعاليتها، لن تحقق الهدف المنشود إلا إذا اقترنت بإرادة حقيقية وقوة تدبير من طرف السلطات المحلية. فتحرير الملك العمومي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو معركة تنظيمية تتطلب حزما وتدبيرا ذكيا.
لقد أظهرت التجارب السابقة أن التراخي أو الانتقائية في التنفيذ قد يؤدي إلى فشل الحملة وإعادة إنتاج الفوضى بشكل أكبر.
ولهذا، فإن الإرادة المطلقة للسلطات يجب أن تتجلى في تطبيق القوانين بحزم وعدالة، وعدم الرضوخ لأي ضغوط قد تعطل مسار التنظيم،وإن النجاح في فرض النظام لا يعني فقط تحرير الأرصفة والشوارع، بل أيضا ضمان استدامة هذا الإنجاز وعدم العودة إلى الفوضى من جديد.

تحرير الملك العمومي ليس مجرد قرار إداري، بل هو مشروع يتطلب تخطيطا استراتيجيا يراعي مصلحة الجميع، من مواطنين وسلطات ومهنيين،ونجاح هذه العملية في العرائش لن يتحقق إلا بتكامل الجهود، واعتماد مقاربة تشاركية ومستدامة تضمن احترام القانون دون الإضرار بمصالح الفئات المتضررة، فهل ستنجح السلطات هذه المرة في تحقيق التوازن المطلوب بين فرض النظام واحترام حقوق الكل” المهنيين ” التجار الرسميين والباعة المتجولين بشوارع المدينة؟.