المطالبةً بإيفاد لجنة تحقيق حول ما يجري في مقالع تطوان التي تحوّلت إلى كوابيس جماعية
في قلب الطبيعة الهادئة لقرية الزينات(إقليم تطوان)، حيث يُفترض أن تعانق الأشجارُ السماء وتتنفس الأرضُ سلامها الأخضر، تتكسر هذه الصورة يوميًا على وقع انفجارات لا ترحم، مصدرها مقالع حجارة تحوّلت إلى آلة طحن لروح المكان وسكينة السكان.
لم تعد الزينات كما كانت، فقد بدّلها غبار المقالع وضجيج الديناميت إلى فضاء مختنق، يئنّ تحت وطأة التهميش وغطرسة الاستثمار غير المسؤول.
أحد مسؤولي الميناء المتوسطي، وهو من ملاّك الفيلات في المنطقة، كسر جدار الصمت في تصريح إعلامي أدلى به من طنجة حسب ماهو متداول “حاولنا الاتصال به للتأكد من المعطيات، لكن هاتفه ظل يرن دون جواب” الرجل، الذي لا يُمكن اتهامه بعدم الدراية بتعقيدات الميدان، أكد أن عمليات تفجير الصخور لا تحترم الشروط القانونية، خاصة ما يتعلق بمنع التفجير أثناء هبوب الرياح القوية. وهو خرقٌ واضح لبند صريح في دفتر التحملات.
صرخة هذا المسؤول تكشف أن الخلل لا يكمن فقط في الآليات التقنية، بل في غياب إرادة حقيقية لاحترام القوانين، ولو من طرف جهات تدّعي الانضباط والمسؤولية.
ليس الغبار وحده ما يُفسد الحياة في الزينات، بل استهتار أرباب المقالع بشروط الاستغلال التي تضمن الحد الأدنى من السلامة البيئية والكرامة الإنسانية، حيث ينص دفتر التحملات على ضرورة رش المياه لتقليص انتشار الغبار، وإخبار الساكنة قبل أي تفجير، وإعادة تشجير المناطق المتضررة بعد انتهاء الأشغال.
لكن الواقع شيء آخر. على الأرض، لا ماء يُرش، لا شجرة تُغرس، ولا إعلام مُسبق يُرسل. فقط متفجرات تنفجر بصمت القانون، وغبارٌ يتنفسه الأطفال قبل الشيوخ، ما يجعل الوضع أكثر قتامة، هو أن أصحاب هذه المقالع يتصرفون وكأنهم فوق القانون.
نفوذهم لا يقتصر على عضلات مالية أو استثمارات ضخمة، بل يمتد إلى تجاوز السلطة المحلية نفسها، التي لم تحرّك ساكنًا رغم الخروقات المتكررة التي يعرفها الجميع.
هنا لا يمكن للساكنة إلا أن تتساءل: أين لجان المراقبة؟ من يوقّع على محاضر التفتيش؟ ومن يملك الجرأة لمساءلة هؤلاء؟
أمام تفاقم الوضع، لم يجد السكان من حل سوى الاستنجاد بعامل إقليم تطوان، في محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
رسائل وشكايات طفت على السطح، مطالبةً بإيفاد لجنة تحقيق نزيهة ومستقلة، تتقصى حقيقة ما يجري في هذه المقالع التي تحوّلت إلى كوابيس جماعية.
ما يحدث في الزينات لا يتعلق فقط بمقالع وحجارة وغبار، إنه نموذج فجّ لواقع بيئي يُنتهك في وضح النهار، ويُترك للساكنة أن تتعايش معه كما لو أنه قدرٌ محتوم.