العرائش تثور دفاعا عن الشرفة الأطلسية : لا للتشويه.. نعم لصون الذاكرة والهوية التاريخية

تمودة 24 : أنوار الشرادي .

في لحظة فارقة من وعي جماعي متأجج، انتفضت ساكنة مدينة العرائش مساء السبت 19 يوليوز، في وقفة احتجاجية حاشدة عند مدخل الشرفة الأطلسية، مجسدة رفضا شعبيا واسعا لما اعتُبر “جريمة معمارية” في حق الذاكرة الحضرية للمدينة.


الوقفة،التي دعت إليها فعاليات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية ، حملت رسالة واحدة واضحة: “لا لتشويه التاريخ.. لا لطمس الرمزية.. لا لتحقير إرادة الساكنة”.

ففي الوقت الذي كانت فيه الآمال معلقة على مشروع يعيد الاعتبار لهذا الفضاء الساحلي العريق، تفاجأ المواطنون بهجمة إسمنتية باردة نزعت روح الشرفة وحولتها إلى ممر خرساني فاقد للهوية والمعنى.
معلمة تاريخية ظلت لعقود رمزا لعلاقة العرائشيين بالمحيط والبحر ، وفضاءً نابضا بالحياة والذاكرة، يتم تدميرها دون سابق إنذار، وبتصميم يثير أكثر من سؤال.

المحتجون حمّلوا مسؤولية هذا الوضع الكارثي للمجلس الجماعي وسلطات الإقليم، اللذَين فشلا – حسب تعبيرهم – في الاستجابة للنداءات المتكررة لحماية الشرفة، وانخرطا في مسلسل تهميش غير مسبوق لمطالب الساكنة. لقاء مع الفعاليات لم يُفضِ إلى أي التزام واضح، بل زاد من منسوب الشك والتوتر.

ما أجّج الوضع أكثر هو إقدام الجهات المعنية، في سابقة غير مفهومة، على فتح الشرفة للعموم في وقت متأخر من ليلة الجمعة 18 يوليوز، في ظل غياب أي إعلان رسمي أو وثيقة تسليم، رغم أن الأشغال لم تكتمل بعد. خطوة وُصفت من قبل الفعاليات بـ”السطو الليلي”، و”محاولة يائسة للالتفاف على الوقفة”، مما جعل الاحتقان الشعبي يبلغ مستويات غير مسبوقة.

البيان الصادر عن الوقفة حمل لهجة تصعيدية واضحة، وطالب بوقف فوري لاستعمال الموقع، وإيفاد لجنة تفتيش مركزية من وزارة الداخلية للوقوف على الخروقات، ومدى احترام المقاولة للتصميم الأصلي المصادق عليه، محذرًا من مخاطر فتح ورش غير مكتمل أمام المواطنين، دون ضمانات للجودة أو السلامة.

الفعاليات أدانت ما اعتبرته “إقصاءً ممنهجًا للمجتمع المدني”، و”ضربًا لمبدأ الشفافية والديمقراطية التشاركية”، ورفعت مطالب واضحة: التحقيق في ملابسات الصفقة، محاسبة المسؤولين، وتجميد المشروع إلى حين تدارك الاختلالات الخطيرة التي شابته.

وفي تطور يعكس حجم الغضب، أعلنت التنسيقيات والهيئات الحاضرة عن إطلاق برنامج نضالي تصعيدي مفتوح، سيتضمن وقفات ومسيرات وندوات ميدانية وتحركات قانونية، إلى حين الاستجابة للمطالب المشروعة. هذا البرنامج، وفق ما أُعلن، سيكون بإشراف مباشر من قوى مدنية مستقلة، ويستند إلى إرادة شعبية رافضة للعبث والإجهاز على الذاكرة الجماعية.

الوقفة أعادت إلى الواجهة النقاش حول النموذج التنموي المحلي: هل نحن أمام مشاريع تُملى من أعلى، أم رؤية تشاركية تستمع للساكنة وتراعي خصوصية المدينة؟ هل العرائش مجرد مجال ترابي تُلقى عليه الإسمنتات، أم كيان حضاري يستحق الاحترام والرؤية والاعتبار؟

الكرة الآن في ملعب المسؤولين: إما الإنصات الحقيقي لصوت الشارع وإصلاح ما يمكن إصلاحه، أو التمادي في سياسة الإنكار وفرض الأمر الواقع، بما لذلك من تبعات اجتماعية وسياسية لا تُحمد عقباها.

العرائش قالت كلمتها.. والمدينة لن تسكت.
وما ضاع حق وراءه شعبٌ لا ينسى تاريخه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.