تطوان بين إشعاع معرض الكتاب وواقع الذاكرة الثقافية: ألا تستحق “الحمامة البيضاء” مكتبة كبرى؟
بثينة مسقال: تمودة 24…
بالتزامن مع فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالعاصمة الرباط، والذي يشكل عرسا ثقافيا وطنيا تتجه إليه أنظار القراء والمثقفين، تبرز إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول العدالة المجالية في توزيع البنيات التحتية الثقافية ببلادنا. وهنا، يقفز إلى الذهن تساؤل جوهري يراود كل متتبع للشأن الثقافي والمحلي: تطوان.. الحمامة البيضاء ومدينة العلم، ألا تستحق مكتبة كبرى تليق بتاريخها المجيد؟
كيف لمدينة بحجم تطوان، ببعدها التاريخي وإرثها الأندلسي العريق، وبوزنها الجامعي المتنامي الذي يضم كليات تابعة لجامعة عبد المالك السعدي، ألا تمتلك مكتبة كبرى وشاملة بمواصفات تحاكي المكتبات الوطنية؟
إنه مما يحز في النفس، ونحن نرصد واقع البحث الأكاديمي، أن نرى الباحث والطالب التطواني، أو القاطن بها، يجبر على قطع مسافات طويلة وتكبد عناء السفر والمصاريف الإضافية نحو مدن أخرى للبحث عن مرجع، أو رسالة، أو أطروحة علمية لإغناء بحثه. أليس من أبسط حقوق طلبة تطوان أن يكون لهم صرح علمي يجمع كل ما يخص البحث العلمي في مدينتهم؟
وفي سياق الحديث عن الذاكرة الثقافية للمدينة، لا يمكننا إغفال الدور التاريخي الرائد الذي لعبته “المكتبة العامة والمحفوظات” بتطوان. هذه المعلمة التي كانت منارة للعلم وقبلة للباحثين من داخل المغرب وخارجه، تطرح اليوم تساؤلات مشروعة حول أسباب تهميشها وتراجع دورها الإشعاعي.
لماذا لا يتم العمل على إعادة تجهيز هذه المؤسسة العريقة، وتحديث أرشيفها، لتفتح أبوابها من جديد في وجه العموم والطلبة للمراجعة والبحث كما كانت في سابق عهدها؟ إن ترميم وتفعيل هذه المكتبة التاريخية ليس مجرد إصلاح للبنايات، بل هو إحياء لروح تطوان الثقافية ورد اعتبار لماضيها العلمي.
وبالموازاة مع ضرورة إحياء المكتبة العامة، لماذا لا يتم التفكير بجدية في إعادة تهيئة بعض البنايات الإدارية الفارغة، أو المدارس غير المستغلة في المدينة، وتحويلها إلى “مكتبة كبرى متكاملة”؟
إن الحديث هنا ينصب على خلق فضاء متكامل ومدروس يخدم الطالب، من خلال اقامة
قاعات كبرى للأرشيف: تخصص لاحتضان الأطروحات، الرسائل الجامعية، والمراجع القيمة لتكون في متناول الباحثين.بإضافة إلى
مقصف مجهز: فالطالب يقضي ساعات طوال بين الكتب، ومن حقه أن يجد فضاء داخل المكتبة لتناول وجبة أو شرب قهوة تسد جوعه وتجدد طاقته، دون الحاجة لمغادرة المكان وقطع حبل أفكاره.
و كذا مركز داخلي للنسخ والطباعة: لتسهيل عملية تصوير المراجع وتوفير وقت وجهد الطلبة.
إن مشروعا استراتيجيا كهذا ليس مجرد “بناية لرص الكتب”، بل هو محرك اقتصادي مصغر سيعود بالنفع على المدينة. فتأسيس هذه المكتبة سيتطلب موارد بشرية، مما يعني خلق فرص عمل جديدة ومباشرة لأبناء تطوان.
تطوان بكلياتها المتعددة، وبشبابها الطموح ومثقفيها، تستحق الأفضل. نترك هذه الرؤية معلقة في سماء مدينة تطوان، لتكون حجة على كل من يملك مفاتيح التغيير ويختار إغلاق الأبواب أو غض الطرف عن الاحتياجات الحقيقية للمنطقة. تطوان تستحق من يحبها فعلا ويترجم هذا الحب إلى مشاريع على أرض الواقع، لا من يكتفي بادعاء وصلها وهو يساهم بصمته في ذبولها.