أطفال على الأرصفة : حين يتحول التسول بتطوان إلى استغلال للقاصرين
تمودة 24 : بثينة مسقال…
تعرف مدينة تطوان، “الحمامة البيضاء”، بجمالها المعماري وهدوئها الذي طالما استقطب الزوار وعكس رقي ساكنتها. لكن في الآونة الأخيرة، بدأت ملامح هذا الجمال تتوارى خلف ظاهرة مقلقة ومؤلمة باتت تفرض نفسها بقوة على المشهد اليومي للمدينة: ظاهرة التسول، التي لم تعد مجرد حالات فردية تعكس حاجة اجتماعية، بل تحولت إلى مشهد يومي منظم يثير الكثير من علامات الاستفهام.
ما يدمي القلب ويثير الاستهجان في آن واحد، هو أن أبطال هذه الظاهرة هم أطفال في سن التمدرس، أطفال في عمر الزهور مكانهم الطبيعي هو مقاعد الدراسة والفضاءات الترفيهية، وليس التسكع بين الأزقة واستجداء المارة. المعطيات والمشاهدات اليومية تشير بوضوح إلى أننا لسنا أمام حالات عابرة، بل أمام مهنة مقنعة تديرها، في كثير من الأحيان، شبكات منظمة وعصابات تتاجر ببراءة هؤلاء الصغار وتستغل ضعفهم لتحقيق أرباح مادية بحتة.
إن استمرار هذه الظاهرة لا يقف عند حدود التطفل أو إزعاج المارة في الشوارع واقتحام خصوصية رواد المقاهي، بل يتعداه إلى ما هو أخطر وأعمق. وجود هؤلاء الأطفال الأبرياء في الشارع لساعات متأخرة ودون رقابة أسرية حقيقية، يجعلهم فريسة سهلة لمخاطر جسيمة لا يمكن غض الطرف عنها
مثل الاستغلال والتحرش الجنسي الشارع بلاء مستتر، وهؤلاء الأطفال، بحكم سنهم وضعف حيلتهم، مهددون بالتعرض لأبشع أنواع الاستغلال والتحرش من قبل ذوي النفوس المريضة.
أيضا الانزلاق نحو الإدمان بيئة الشارع غالبا ما تكون بوابة عبور نحو عالم المخدرات والإدمان، مما يدمر مستقبل هؤلاء الأطفال ويحولهم من ضحايا اليوم إلى مشاريع جانحين في الغد.
من زاوية أخرى، تعيش ساكنة تطوان وزوارها نوعا من التطفل المزعج. الشوارع الرئيسية، الساحات العامة، وحتى المقاهي التي يفترض أن تكون فضاءات للراحة، باتت مسرحا لمشاهد يومية من الاستجداء والإلحاح الذي يتجاوز حدود طلب المساعدة ليدخل في خانة المضايقة المستمرة. هذا الوضع بات يشوه الجمالية الحضارية لمدينة تطوان ويؤثر سلبا على جودة الحياة فيها.
إن هذه الظاهرة لم تعد تحتمل التأجيل أو المقاربات الترقيعية. إنها تدق ناقوس الخطر للتدخل العاجل عبر مسارين متوازيين
المقاربة الأمنية الصارمة: لتفكيك الشبكات المنظمة والعصابات التي تتاجر بالبشر وتستغل هؤلاء الأطفال، وتطبيق القانون بصرامة ضد كل من يثبت تورطه في هذا الجرم الشنيع.
المقاربة الاجتماعية الإنسانية: لانتشال هؤلاء الأطفال من الشارع، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية لهم، وإعادتهم إلى فصول الدراسة بالتعاون مع جمعيات المجتمع المدني الجادة.
مدينة تطوان تستحق أن تحافظ على بياضها وجمالها، وأطفالنا يستحقون مستقبلا يبنى بالقلم والكتاب، لا أن يهدر على أرصفة الشوارع المظلمة. إنقاذهم اليوم هو إنقاذ لمستقبل مجتمعنا بأكمله