بين هتافات المونديال وأنين الواقع : هل ترمم كرة القدم تصدعات الوطن؟

بثينة مسقال| تمودة 24 …

انقشع غبار الملاعب في مونديال 2026، وطويت صفحة مشاركة المنتخب الوطني المغربي بعد مسار متجدد انتهى عند محطة دور الربع إثر مواجهة حبست الأنفاس أمام المنتخب الفرنسي. ومع انطفاء أنوار الملاعب وخفوت هتافات المدرجات، يستيقظ المغاربة من نشوة الفرح المؤقت ليجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام مرآة واقعهم اليومي المأزوم. واقع يفرض طرح تساؤل جوهري وموجع: ما القيمة المضافة لمرتبة كروية متقدمة في بلد لا يزال يفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم؟ وهل يمكن لجلد منفوخ بالهواء أن يسكن آلام أمة تعاني في صمت؟

إن التواجد بين كبار اللعبة عالميا مدعاة للفخر بلا شك، لكن هذا الفخر يتلاشى عند أبواب المستشفيات العمومية. ما قيمة الانتصارات الرياضية والمواطن المغربي يواجه منظومة صحية متهالكة؟ ملايين المغاربة يعانون في صمت أمام نقص حاد في الأطر الطبية، وغياب المراكز الصحية اللائقة، ومستشفيات تفتقر لأبسط التجهيزات الحيوية؛ فالإنجاز الحقيقي لأي دولة يبدأ من قدرتها على إنقاذ أرواح مواطنيها وتوفير رعاية تصون كرامتهم.

وإذا كانت خطط التكتيك الرياضي قد نجحت في إيصالنا إلى أدوار متقدمة، فإن خطط الحكومات المتعاقبة قد فشلت فشلا ذريعا في بناء منظومة تعليمية ناجعة. إن المدارس العمومية اليوم تعاني من أزمات هيكلية مستمرة تفرز أجيالا تائهة، تفتقر إلى الأدوات المعرفية والمهنية التي تؤهلها لمواجهة تحديات العصر، مما يجعل التنمية الشاملة مجرد شعار يتردد في الخطابات الرسمية دون أثر ملموس.

الاحتفال بالإنجازات الوطنية يجب أن يكون جامعا، لكن كيف تكتمل الفرحة وهناك جراح مجتمعية غائرة لم تندمل بعد؟ لا يمكن الحديث عن إشعاع دولي دائم بينما لا يزال نشطاء، كمعتقلي حراك الريف، يتلاشون خلف القضبان بسبب مطالب اجتماعية واقتصادية بحتة. إن العدالة الاجتماعية ومساحة الحريات هما المؤشر الحقيقي لتقدم الأمم، وليس عدد الأهداف في المرمى.

وفي المفارقة ذاتها، وبينما كانت العائلات تتابع مباريات المنتخب، كانت جرافات السلطة تتحرك في عدة مناطق لهدم بيوت مواطنين تحت مسمى “محاربة البناء العشوائي”. إن هذا التناقض الصارخ بين تشييد “الأفراح الكروية” وهدم “الاستقرار الأسري” يعكس خللا عميقا في أولويات التدبير الحكومي، الذي يترك عائلات بأكملها في مواجهة العراء والتشرد دون بدائل حقيقية تصون إنسانيتهم.

المفارقة الأكثر إيلاما تكمن في تلك الجماهير الشبابية الواسعة التي خرجت للاحتفال في الشوارع؛ ففئة عريضة من هؤلاء الشباب تعاني من عطالة مزمنة وغياب للأفق الاقتصادي. ومن المحزن أن تجد شابا يرتدي قميص المنتخب الوطني، لكنه في الوقت ذاته يتحين الفرصة لركوب “قوارب الموت هربا من واقع التهميش وبحثا عن كرامة مفقودة وراء البحار. كيف لبلد أن يفخر ب “إنجازه الكروي” بينما يعجز عن الاحتفاظ بطاقات شبابه ويوفر لهم لقمة عيش كريم؟

في غمرة الانشغال بالمونديال، كانت أسعار المواد الغذائية والمحروقات تستمر في التهام الجيوب والقدرة الشرائية للمواطن البسيط. لقد بدت كرة القدم في كثير من الأحيان بمثابة “مسكن مؤقت” يراد منه إشغال الرأي العام عن التضخم وغلاء المعيشة غير المسبوق. إن الميزانيات الضخمة التي ترصد للمؤسسات الرياضية والملاعب والمنح، تقابلها سياسات تقشفية في القطاعات الاجتماعية الحيوية، مما يساهم بشكل مباشر في توسيع الفجوة بين طبقة مخملية تستفيد من “بزنس الرياضة” وأغلبية ساحقة تسحقها الأزمة الاقتصادية يوميا

بمجرد تحقيق أي فوز أو تقدم، يسارع الفاعلون السياسيون والحكوميون إلى الركوب على الموجة الرياضية، محاولين تجيير هذا الإنجاز الجماعي لتلميع صورتهم والتغطية على الإخفاقات المتتالية في تدبير الشأن العام. إن محاولات تسويق النجاح الرياضي كدليل على “نجاح السياسات الحكومية” هي مغالطة مكشوفة؛ فالمنتخب ينجح بفضل تضافر جهود فردية ومواهب، بينما السياسات العامة للبلاد تقاس بنجاعة الإدارة والنزاهة والشفافية، وهي مجالات لا تزال تشهد تراجعا واضحا

لا أحد يقلل من شأن الرياضة وقدرتها على بث الأمل، ولا من الجهد الذي يبذله اللاعبون على المستطيل الأخضر. لكن، حان الوقت لتدرك الحكومة أن الترتيب الذي يهم المواطن المغربي الكادح في قراه ومدنه ليس تصنيف “الفيفا”، بل “مؤشر التنمية البشرية”. إن الفوز في المباريات قد يمنح مجدا عابرا لأيام، لكن بناء الإنسان وتوفير الصحة والتعليم والعدالة هو ما يبني الأوطان ويضمن استمرارها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.