حين يستيقظ المتقاعد ستسقط لعبة التهميش، ليصبح قوة مُنظَّمة
عبدالاله الصغير : متقاعد وفاعل مدني مهتم بقضايا المتقاعدين.
إن اول خطوة كمنطلق لتغيير وضعية المتقاعد ،هي الايمان بأنه لا يمكن الاستمرار في موقع “المفعول به” بينما الآخرون (أحزاب، نقابات، مؤسسات) فاعل يحددون المصير. لكن التحول إلى فاعل لا يتم بالشعارات فقط، بل ببناء قوة منظمة، واعية، ومؤثرة، تستوجب ما يلي :
*أولاً، يجب كسر منطق التشتت:
المتقاعد الفرد ضعيف، لكن المتقاعدين ككتلة اجتماعية موحدة قوة حقيقية. المطلوب هو الانتقال من جمعيات مشتتة تستحضر الانتماء السياسي او النقابي، إلى تنسيقيات أو جبهات موحدة بملف مطلبي واضح ومحدد، وليس عاماً أو فضفاضاً. كلما كان المطلب دقيقاً ،(زيادة محددة، مراجعة ضريبية، عدالة في التغطية الصحية…) ، بعيدا عن المزايدات والشعبوية، أصبح قابلاً للضغط والتفاوض.
*ثانياً، امتلاك المعرفة:
إن أحد أسباب تهميش المتقاعدين هو احتكار “الخبرة التقنية” من طرف الحكومة والنقابات. لذا يجب قلب المعادلة عبر تكوين لجان من المتقاعدين أنفسهم (أطر، خبراء سابقون، قانونيون…) لإنتاج بدائل ودراسات مضادة. فحين يصبح للمتقاعدين “خطاب رقمي ومالي مقنع”، سيتحولون من مجرد محتجين إلى طرف تفاوضي يُحسب له حساب.
*ثالثاً، بناء أدوات ضغط حديثة:
لم يعد الاحتجاج التقليدي كافياً. اليوم التأثير يمر عبر:
-الحضور الإعلامي المنظم (بيانات، مقالات، رأي عام)
-استثمار وسائل التواصل لخلق ضغط مستمر وليس مناسباتي
-الترافع القانوني (رفع دعاوى، الطعن في قرارات مجحفة)
-التحالف مع فئات متضررة أخرى ( المتقاعدون. ذوو الحقوق… ) لأن الملف اجتماعي عام وليس فئوياً ضيقاً
*رابعاً، إعادة تعريف العلاقة مع النقابات والأحزاب. بدل انتظار “الإنصاف”
وهو ما يجب فرضه من خلال :
-مساءلة النقابات علناً عن التزاماتها
-ربط أي دعم انتخابي بمواقف واضحة من ملف التقاعد
-الدفع بمتقاعدين أو ممثلين عنهم إلى مواقع القرار المحلي والوطني
*خامساً، تحويل “الادخار” من نقطة ضعف إلى ورقة قوة:
كما سبقت الاشارة ،فإن المتقاعد هو صاحب الحق في ماله، لكن هذا الحق مُصادَر سياسياً. الحل ليس فقط التنديد، بل المطالبة بالشفافية في تدبير الصناديق، والتمثيلية داخل مجالسها، وربط المسؤولية بالمحاسبة. المال حين يُدافع عنه صاحبه يتحول إلى نفوذ، لا مجرد رقم.
خلاصة القول ، هناك نقطة صريحة وأساسية، يجب قولها:
لا يمكن المطالبة بالتأثير مع البقاء في موقع الانتظار. فأي تحول حقيقي يتطلب قدراً من التنظيم، الصبر، وربما حتى تكلفة نضالية. فحال وواقع تشتت المتقاعدين هو ما نراه الآن: تهميش مستمر، إقصاء ممنهج. تواطؤ مفضوح .
باختصار: إن انتقال حال ووضعية المتقاعدين وذوي الحقوق من “الضحية ” إلى “الفاعل المؤثر”، يبدأ من الوعي الجماعي + التنظيم + المعرفة + الضغط المستمر + ربط المسؤولية بالمحاسبة. وما دون ذلك سيتمر الحال على حاله ، وبالتالي لا داعي للبكاء على الاطلال وتحميل المسؤولية للآخر وحده،
فالمتقاعد لم يعد رقماً في معادلة الآخرين،بل طرفاً يُعيد صياغة المعادلة نفسها.و صوته ليس صدى، بل قرار.