“تطوان.. قصيدة إبداع لم تكتمل، ومسارح يسكنها الصمت!”.
تمودة 24 : بثينة مسقال…
لا يختلف اثنان على أن مدينة تطوان، “غرناطة الصغرى” وحارسة التراث الأندلسي، لم تكن ي وما مجرد جغرافيا من حجر ومدر، بل هي روح تنبض بالفن والأدب. مدينة أنجبت عمالقة الإبداع، كان من المفترض أن تكون شوارعها مسارح مفتوحة، وبناياتها منارات للإشعاع الفكري. لكن المشهد الثقافي اليوم في تطوان يعيش مفارقة مؤلمة ففي الوقت الذي تتغنى فيه الشعارات بالثقافة، يحاصر المبدع التطواني بين أبواب موصدة، وفضاءات مهملة، وأخرى تستنزف جيوبه.
لعل المشهد الأكثر إثارة للاستغراب والحسرة، هو (المسرح الوطني). هذا المشروع الذي رصدت له ميزانيات ضخمة واستبشرت به الساكنة خيرا ليكون مكانا يليق بحجم المدينة وتاريخها. لكن الأيام تمر، وتبقى أبوابه موصدة بأقفال من حديد. كيف يعقل أن تهدر الأموال العامة على بناية تقف اليوم كتمثال أصم؟ إن إغلاق هذا المسرح ليس مجرد هدر مالي، بل هو اغتيال معنوي لطاقات شبابية وجمعوية تنتظر فضاء دافئا يحتضن إبداعاتها.
وفي ظل هذا الجفاف المفتعل، يجد الفاعل الثقافي نفسه مجبرا على اللجوء إلى (مسرح إسبانيول) كملجأ وحيد. ورغم القيمة التاريخية لهذا الفضاء، إلا أن الحقيقة المرة التي يعاني منها المبدعون في صمت هي أن هذا المسرح ليس فضاء عاما متاحا للتشجيع على الفن، بل يخضع لمنطق “الاستئجار”. الجمعيات الثقافية ذات الإمكانيات المحدودة تجد نفسها مضطرة لدفع رسوم كراء باهظة لتقديم عرض مسرحي أو تنظيم حفل فني. فهل يعقل أن تتحول الثقافة في مدينة الفن إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق؟ وكيف يطلب من شبابنا الإبداع ونحن نضع أمامهم عقبات مالية لاستغلال فضاءات من المفترض أن تكون في خدمتهم؟
وما يؤكد غياب رؤية ثقافية شاملة لدى المعنيين بالأمر ، هو المصير المأساوي لدار الثقافة الكائنة بزنقة القايد أحمد. هذه المعلمة التي تحمل في طياتها ذاكرة أجيال، تعاني اليوم من التهميش والبؤس. جدرانها التي كانت شاهدة على نقاشات فكرية وإبداعية، يطالها الإهمال اليوم، وكأن هناك إرادة خفية لقتل مقومات الثقافة الجماهيرية في هذا الحي العريق.
وأمام أزمة الفضاءات المغلقة والمأجورة، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا يتم استثمار فضاءات المفتوحة التي تزخر بها المدينة؟ ساحة “رياض العشاق”، بجماليتها ورمزيتها التاريخية وموقعها الاستراتيجي، تقف شاهدة على قصور في التفكير والإبداع لدى المسؤولين.
لماذا لا يتم تأهيل هذه الساحة لتكون “مسرحاً في الهواء الطلق”؟ فما الذي يمنع من وجود منصة مفتوحة وسط طبيعة رياض العشاق، تحتضن عروضا مسرحية، وجلسات قراءة في كتاب، وندوات فكرية، وأمسيات شعرية. إن خطوة كهذه لن تكلف ميزانيات ضخمة، بل ستحقق هدفين عظيمين: الأول هو توفير فضاء مجاني وحيوي لشباب المدينة ومثقفيها، والثاني هو رد الاعتبار التاريخي والجمالي لهذا الفضاء العريق، وإعادة الروح إلى ليالي تطوان الأندلسية.
تطوان تستحق أفضل من هذا العبث. الثقافة فيها ليست ترفا أو ديكورا للتقارير الرسمية، بل هي هويتها التي لا مساومة عليها. تواجه الحركية الثقافية في تطوان تحديات بنيوية تستدعي التوقف، بدءا من وضعية المسرح الوطني المغلق، وصولا إلى الكلفة المرتفعة لاستغلال الفضاءات التي تثقل كاهل الجمعيات الجادة. ومع تدهور حالة دار الثقافة بزنقة القايد أحمد وإهمال جماليات رياض العشاق، يطرح التساؤل حول مدى قدرة التدبير الحالي على الحفاظ على الإشعاع التاريخي للحمامة البيضاء. إن السكوت عن هذا الوضع هو مشاركة في إطفاء وهج الحمامة البيضاء.. فهل من مجيب؟