من يريد تحويل مهرجان صيف العرائش إلى صراع؟
تمودة 24 : أنوار الشرادي..
في كل صيف، تتجدد لحظات الفرح في العرائش كما في مدن أخرى: موسيقى تعانق البحر، عائلات تبحث عن متنفس من رتابة الأيام، وشباب يرقصون ويضحكون في فضاءات مفتوحة.
غير أن هذا الفرح سرعان ما يتحول إلى مادة للجدل والانقسام ، فتشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بمعارك افتراضية، وكأن المدينة لا تعرف سوى الصراع على منصات الغناء والرقص بدل أن تعرف التنمية الحقيقية.
على الضفة الأولى ،هناك فئة ترى في المهرجان تبذيرا للمال العام وبيعا للوهم، وتتهم المؤيدين باحتضانه بتزييف صورة مدينة مثقلة بالتهميش ، تعاني من بنية تحتية مهترئة، وشوارع متدهورة، ومستشفى عمومي غير لائق ، ومنازل متهالكة في المدينة القديمة أيلة للسقوط ، وبنايات تراثية موريسكية مهددة بالهدم، حدائق عمومية في حالة سيئة ، بالإضافة إلى العديد من أحياء الصفيح…
هذه الأصوات الغاضبة تتساءل: كيف نرقص على خشبة المنصات فيما شوارعنا غارقة في الحفر، وشبابنا عاطل، وواقعنا الاجتماعي هش..؟
وعلى الضفة الثانية، يقف المدافعون عن المهرجان بشراسة، معتبرين أن الفرح حق مشروع، وأن الموسيقى والفن متنفس ضروري في وجه الإحباط الجماعي. لكن خصومهم يتهمونهم بأنهم ليسوا مجرد أصوات عفوية، بل يستفيدون من امتيازات ولهم مكاسب، وترتبط أصواتهم بعلاقات مباشرة مع منظمي المهرجان و المسيرين للشأن العام المحلي. وهكذا تتحول أصواتهم من وظيفة نقد ومساءلة، إلى وظيفة تبرير وتلميع، تهاجم كل من يجرؤ على المساس بصورة موسم صيف العرائش 2025.
إلى جانب هذا الصراع الثنائي، يبرز طرف ثالث لا يريد الاصطفاف خلف أي معسكر. هذا الطرف يرى أن المهرجان ليس عدواً ولا مخلّصا، بل نشاطا ثقافيا من حق المدينة أن تستفيد منه، شريطة أن يكون جزءاً من رؤية شاملة للتنمية, ومن الخطأ اختزاله في صورة الشر المطلق كما تفعل بعض الأصوات، ومن الخطأ أيضاً تضخيمه واعتباره برهاناً على ازدهار ورقي العرائش بينما واقعها التنموي ما يزال هشا.
كما أن هناك صوت من بين الأطراف المذكورة ،يرفض الأسلوب الذي يلجأ إليه البعض لشيطنة الرأي المختلف، حتى وصل الأمر إلى اتهام من يطالب بتحديث البنية التحتية وتزفيت الطرق وإصلاح الحدائق العمومية والصحة والتعليم ومحاربة الصفيح بأنهم “دواعش” أو متشددون، وكأن المطالبة بالحقوق تهمة، كما يرفض من يسعى لتشويه المهرجان وتصويره وكأنه مؤامرة على المدينة، متجاهلا قيمته الفنية والسياحية، ويرفض أيضاً أن يُختزل النقاش في شعار “المدينة تتنفس”، وكأن المهرجان حق مطلق للترفيه، بينما وصف الواقع بالتهميش مجرد “كذب” و”أوهام” و”حقد”.
ويرى أن حقيقة المهرجان في حد ذاتها ليس مشكلة، والمشكل الحقيقي هو غياب توازن بين الفرح وحق المواطن في العيش الكريم.

وهناك من يرى أن الصراع حول المهرجان ليس سوى وسيلة مقصودة لصرف أنظار الرأي العام عن القضايا الجوهرية التي تهدد حاضر ومستقبل المدينة: الباسخير وقوارب العبور إلى رأس الرمل، غابة لايبيكا والأكشاك، الشرفة الأطلسية و حافلات النقل العمومي ومستشفى الإقليمي للامريم … أي أن الكرة تُشتّت عمداً، ليبقى النقاش حبيس “الغناء والرقص”، بدل أن يتوجه إلى الملفات الحقيقية التي تستحق التعبئة المدنية واليقظة الجماعية.
يذكر أن ميزانية مهرجان صيف العرائش المخصصة من وزارة الثقافة تبلغ سنوياً حوالي 3 ملايين درهم، وهي الاعتمادات الرسمية لدعم الفعاليات الفنية والثقافية،وأن الأرقام الضخمة للحضور تبدو مبشرة على الورق، لكن السؤال المطروح :هل هذه الأرقام المخيفة تعكس قوة مدينة أو قوة الوهم حين يُقدَّم في أبهى صورة .
المفارقة الأشد إيلاماً تبقى كما هي: المتضررون من التهميش هم أنفسهم من يصنعون نجاح المهرجان بأقدامهم كل ليلة، وكأنهم يقولون للواقع: “أوجعنا كما تشاء، المهم أن نرقص في المساء.”.
والعرائش لن تتغير ما دام جمهورها يكتفي بالمقاعد أمام المنصات بدل أن يرفع صوته للمطالبة بحقوقه المشروعة في التعليم، والصحة، والسكن، والعيش الكريم.
إن تحويل مهرجان صيف العرائش إلى ساحة صراع بين مؤيدين ومعارضين هو أكبر خدعة؛ فالمدينة لا تحتاج لمن يصادر حقها في الفرح، ولا لمن يغطي بريق المنصات على جراحها العميقة. ما تحتاجه العرائش فعلًا هو أن يفهم الجميع أن الفرح لحظة، والتنمية حياة كاملة.