ظاهرة الانتحار في تطوان.. أرواح ترحل في صمت وأسئلة تبحث عن إجابات

بثينة مسقال | تمودة 24 …

لطالما عرفت تطوان، “الحمامة البيضاء”، بهدوئها وجمالها وسكينة شوارعها. لكن في الآونة الأخيرة، باتت سماء هذه المدينة تتلبد بغيوم ظاهرة قاسية ومؤلمة، ظاهرة الانتحار التي أصبحت تتكرر بوتيرة تدق ناقوس الخطر، وتترك خلفها أسرا ملكومة ومجتمعا يعيش حالة من الصدمة والتساؤل.

اللافت والمحزن في هذا الواقع، أن الظاهرة لم تعد تقتصر على فئة معينة، ولم تعد مجرد حوادث استثنائية عابرة.بل اصبح عدد من الشباب في عمر الزهور يختارون إنهاء حياتهم بشكل مفاجئ، وكأن طاقة الأمل قد استنزفت بالكامل من قلوبهم. والأدهى من ذلك، أن دائرة اليأس اتسعت لتشمل رجالا وأرباب أسر، أشخاصا يفترض أنهم السند والملاذ لعائلاتهم، يجدون أنفسهم فجأة أمام حائط مسدود، فيختارون الرحيل وترك زوجات وأطفال يواجهون مرارة الفقد وغياب المعيل.

ودائما ما تذيل أخبار هذه الفواجع بعبارة “لأسباب غامضة”، لكن بقليل من التأمل في الواقع المعيشي والمجتمعي، يرى أن هذا الغموض يخفي وراءه تراكمات من الضغوط اليومية الصامتة: يعيش الكثيرون اليوم تحت وطأة ضغوط مادية ونفسية قاسية. فصعوبة توفير متطلبات الحياة اليومية، في ظل ندرة الفرص وتراجع الحركية الاقتصادية التي كانت تميز المدينة، تولد إحساسا بالعجز وفقدان البوصلة، خاصة لدى الشباب الباحث عن بناء مستقبل، أو الأب المثقل بمسؤوليات لا تنتهي.

وفي عمق هذه المعاناة، يبرز الواقع الاقتصادي المتأزم للمدينة كعامل مباشر يغذي حالة اليأس ويدفع بالبعض نحو حافة الهاوية. فقد تضاعفت حدة الضغوط المعيشية بشكل غير مسبوق في ظل انغلاق معبر “باب سبتة”، الذي كان يشكل الشريان الاقتصادي الأساسي ومصدر الرزق الوحيد لأكثر من ألف عائلة تطوانية تعتمد على التجارة المعيشية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تزامن هذا الإغلاق مع حملات منع وجمع الباعة المتجولين وتشديد الخناق على الأنشطة التجارية البسيطة في الشوارع، دون توفير بدائل حقيقية ومستدامة تضمن كرامة العيش لهؤلاء المواطنين. وزاد الطين بلة إغلاق أكثر من مصنع ووحدة إنتاجية في المنطقة، مما تسبب في تسريح مئات العمال وفقدان وظائفهم، لتجد مئات الأسر نفسها فجأة بلا دخل وبلا أفق، محاصرة بين مطرقة الديون المتراكمة وسندان العجز عن تلبية أبسط مقومات الحياة اليومية. هذه التراجعات الاقتصادية المتلاحقة حوّلت المدينة من مركز تجاري حيوي إلى بيئة طاردة للأمل، مما يفسر اتساع دائرة الإحباط بشكل غير مسبوق.

أيضا العزلة وسط الزحام الان في عصر السرعة والتكنولوجيا، بات الكثيرون يعيشون عزلة نفسية خانقة. يتألم الفرد بصمت، ولا يجد مساحة امنة للتعبير عن ضعفه أو مخاوفه حتى لأقرب الناس إليه، خوفا من نظرة المجتمع أو من تحميلهم عبئا إضافيا

وايضا إهمال الصحة النفسية لا زال المجتمع يتعامل مع التعب النفسي والاكتئاب كأنها “أوهام” أو ضعف في الإيمان، ويتجاهل أن المرض النفسي هو مرض حقيقي وقاتل كالمرض العضوي. هذا التجاهل يجعل الشخص المكتئب يواجه معاناته وحيدا دون مرافقة أو علاج، حتى يصل إلى نقطة اللاعودة.

إن ما يحدث في المدينة ليس مجرد أرقام تضاف إلى السجلات، بل هو نزيف لأرواح كانت موجودة بالأمس القريب. الانتحار صرخة ألم صامتة، تخبر بأن هناك من فقد القدرة على تحمل قسوة الحياة.

وربما حان الوقت ليقف الجميع وقفة تأمل حقيقية، ليس للبحث عن مذنبين، بل لمراجعة طريقة تواصل وتراحم. تتنامى اليوم الحاجة المجتمعية لإحياء قيم التكافل، وتوجيه الانتباه لجميع الأفراد، والاستماع لمن يمرون بضائقة إنسانية دون إطلاق أحكام مسبقة. لقد غدا من الضروري كسر جدار الصمت والمخاوف المحيطة بالصحة النفسية، ونشر الوعي بأهمية طلب المساعدة المتخصصة عند الشعور بالاكتئاب.

إن حياة كل فرد في مدينة تطوان تحمل قيمة بالغة، وإنقاذها يبدأ بالكلمة الطيبة، والاحتواء الصادق، وبناء مجتمع يتفهم الألم ولا يتجاهله.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.