الأحزاب السياسية وإعادة تدوير الوجوه، هل انتهى زمن تجديد النخب؟
تمودة 24 : بثينة مسقال …
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تعود الماكينات الحزبية للدوران، وتتسابق الأمانات العامة للإعلان عن لوائح مرشحيها. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع ضخ دماء جديدة، تأتي القوائم لتصدم المتتبعين؛ نفس الوجوه، نفس النخب، ونفس الأسماء التي تعاقبت على الكراسي لولايات متتالية دون أثر ملموس.
هذا المشهد يفرض سؤالا جوهريا: أين هي النخب الشابة التي دعا أعلى مستوى في الدولة إلى تمكينها؟ وما هي المعايير الحقيقية للتزكيات أمام واقع العزوف الصادم.
لطالما شكلت قضية إدماج الشباب في الساحة السياسية وتجديد النخب محورا ثابتا في الخطب الملكية السامية، باعتبار الشباب المحرك الأساسي للتنمية وبناء مستقبل الوطن. غير أن الممارسة الميدانية للأحزاب تكشف عن “انفصام صريح” بين التوجيهات الاستراتيجية للدولة وبين أنانية القيادات الحزبية.
فعند محك التزكيات، تسقط الأحزاب كل شعارات “التمكين والتشبيب”، وتلتجئ مرعوبة إلى “الأعيان” وأصحاب النفوذ المالي. التقييم لا يتم بناء على كفاءة المرشح، حس المسؤولية لديه، أو نضاله الجمعوي والقرب من ساكنة دائرته، بل بمعيار برغماتي ضيق: كم يملك هذا المرشح من الأصوات المضمونة، والقدرة التمويلية لصندوق الحملة
إن رؤية نفس الوجوه “الموروثة” تنتقل من انتخابات إلى أخرى ومن حزب لآخر، حوّل الساحة السياسية إلى فضاء مغلق ومحتكر. هذا الوضع أنتج ظاهرة خطيرة تهدد شرعية التنافس السياسي وهي عزوف الشباب.
تشير المعطيات إلى فجوة ثقة عميقة؛ فالشباب اليوم لا يرى نفسه في هذه النخب التقليدية التي غابت عن قضاياه طيلة خمس سنوات ثم عادت لتطلب صوته. وللأسف، أصبح لسان حال الشباب يتساءل بمرارة: إذا كانت المقاعد محسومة سلفا لأصحاب المال والنفوذ، فما جدوى المشاركة؟
هذا النفور الحزبي لا يعني أن الشباب المغربي يعيش حالة “موت سياسي”، بل إنه انتقل لممارسة التعبير خارج الصناديق التقليدية. فالجيل الجديد الذي نشأ في فضاء مفتوح بات يعبر عن حسه الوطني من خلال المبادرات المدنية، العمل الجمعوي، والحملات الرقمية المؤثرة. الشباب يرفض أن يكون مجرد “وقود حملات انتخابية” يصفق لنخب هرمة، ويطالب بحق حقيقي في صنع القرار.
وتكتمل المعضلة عند الوقوف على آلية “القاسم الانتخابي”. هذه الآلية، بدلا من أن تدفع نحو التنافس البرامجي الشرس واحتضان الطاقات الحيوية، تحولت إلى شبكة أمان تضمن بقاء نفس الوجوه بأقل مجهود نضالي ممكن، مما قتل رغبة أي شاب كفء في المغامرة بخوض غمار منافسة غير عادلة.
إن إصلاح المشهد السياسي ليس ترفاً فكرياً بل رهان مصيري لبناء الدولة. وإصرار الأحزاب على تفضيل “المال والجاه المتوارث” على حساب “الكفاءة الحية والمشروع الفكري الشاب” يضرب مصداقية العمل المؤسساتي في مقتل.
إن دمقرطة التزكيات وفتح الأبواب الحزبية بصدق أمام الكفاءات الشابة ليس مجرد خيار؛ بل هو تفعيل حقيقي لروح الدستور والتوجيهات السامية، حتى لا نجد أنفسنا أمام مجرد “دكاكين انتخابية” تفتح أبوابها كل خمس سنوات لتجديد عقود نخب تجاوزها العصر.