تطوان مع إشراقة شمس الصيف، تنزع “الحمامة البيضاء” عباءة الهدوء الشتوي لتلبس حلة الصخب والانتعاش
بثينة مسقال | تمودة 24…
مدينة تطوان وشريطها الساحلي الساحر يتحولان إلى قبلة مفضلة لملايين الزوار؛ من مغاربة الداخل إلى أفراد الجالية المقيمة بالخارج. هذا التوافد الكثيف يشكل رئة اقتصادية تتنفس منها المدينة وتغطي، كما يبرر الكثيرون، الركود التجاري الذي يخيم على المنطقة طيلة أشهر السنة. لكن، خلف هذا المشهد السياحي المزدهر، يختبئ واقع يثير الكثير من التساؤلات والامتعاض: “حمى الأسعار” التي تضرب جيوب الزوار، وتخنق المواطن المحلي بالدرجة الأولى.
بمجرد أن تتجه نحو الساحل أو تتجول في أسواق المدينة، تلاحظ تغيرا جذريا في لوحات الأسعار. المطاعم، المقاهي، وحتى المحلات التجارية البسيطة، تعتمد تسعيرة “صيفية” مضاعفة. أصحاب هذه المشاريع يدافعون عن موقفهم بحجة “الموسمية”، معتبرين أن هذه الأشهر القليلة هي فرصتهم لتعويض الركود وتأمين لقمة العيش للأشهر العجاف.
لكن ما يثير حفيظة المستهلك هو أن هذا الغلاء الفاحش لا يرافقه أي تحسن في جودة الخدمات. بل على العكس، وتحت ضغط الازدحام، تتراجع معايير النظافة والخدمة، ويتحول الزبون من “ضيف” يحتفى به إلى مجرد “رقم” في معادلة الربح السريع.
لعل القطاع الأكثر تجسيداً لهذه الفوضى هو قطاع إيجار الشقق والمنازل المفروشة. بمجرد حلول الصيف، تقفز أسعار الإيجار اليومي إلى أرقام خيالية تفوق المنطق، حيث قد يعادل إيجار شقة متواضعة تسعيرة ليلة في فندق مصنف في مدن أخرى. هذا الارتفاع الصاروخي يحدث غالبا في ظل غياب تام لأبسط شروط الراحة، السلامة، أو المراقبة، مما يجعل السائح تحت رحمة السماسرة وقانون “الضرورة”.
لا يقتصر الغلاء على التغذية والمبيت، بل يمتد ليصل إلى شريان التنقل. سيارات الأجرة ووسائل النقل المحلية تشهد تجاوزات واضحة للتسعيرة القانونية. يتفاجأ الزائر بفرض أثمنة مضاعفة للرحلات، وتجاهل ملحوظ لاستخدام العداد في بعض الأحيان، تحت ذريعة الازدحام المروري. هذا الوضع يخلق حالة من التذمر اليومي ويشوه التجربة السياحية للمدينة.
في خضم هذا الصخب المالي، يبرز الضحية الأكبر والصامت: المواطن التطواني البسيط. فالسائح يأتي لأيام معدودة ويرحل، لكن الساكنة المحلية تجد نفسها مجبرة على التعايش مع هذه “التسعيرة السياحية” الباهظة طيلة أشهر. دخل المواطن المحلي لا يرتفع في الصيف، ومع ذلك يجد نفسه مضطرا لدفع أضعاف الثمن لاقتناء حاجياته اليومية البسيطة، مما يضرب قدرته الشرائية في مقتل ويجعله يشعر بالغربة والتهميش داخل مدينته.
أمام هذا “الغول” الاقتصادي الذي يفترس الجيوب، يطرح الشارع التطواني تساؤلا ملحا: أين هي السلطات المحلية ولجان مراقبة الأسعار وحماية المستهلك؟ إن ترك السوق تحت رحمة “العرض والطلب” بشكل منفلت، دون تدخل حازم لضبط التجاوزات وزجر المخالفين، يفتح الباب واسعا أمام فوضى قد تضر بسمعة المدينة السياحية.
إن النشاط الاقتصادي الصيفي هو حق مشروع لإنعاش تطوان، لكن غياب التوازن بين “هامش الربح المعقول” و”الاستغلال المفرط” يهدد الجاذبية السياحية للمنطقة على المدى البعيد. فالسائح اليوم بات يمتلك خيارات متعددة، واستمرار موجة الغلاء والجشع قد يدفعه للبحث عن وجهات بديلة، لتجد المدينة نفسها مستقبلا تدفع ثمن أخطاء مواسم صيفية غاب فيها العقل وحضر فيها الطمع