الدموع

بقلم : يوسف خليل السباعي

ترددت كثيرا قبل الكتابة في هذا الموضوع.

 إنها فكرة، أو قصة، أو حدث عابر، أولأقل، بكل وضوح، لحظة، تمحي بمجرد الانتهاء من الكلام عنها.

كلامي سيكون عن الدموع، وإذا كان للعين قصة وتاريخ وتأريخ، فمن سيؤرخ للدموع؟ وهل للدموع تاريخ؟…

ذات يوم، ونحن نتناول وجبة غذاء في فندق، تكلم أحدهم موجها “كلامه” إلى سيدة خجولة، وسألها: هل بكيت يوما على فراق عشيق ما؟… فلم تجبه. لكنني أنا الجالس، المرهف السمع لما يدور من حديث وأسئلة تتناسل مثل بالون منتفخ، أدركت للتو أن هذه المرأة بصمتها تخفي أسرار دموعها.

 وفي حقيقة الأمر، ما يهمني أنا هاهنا- بالدرجة الأولى- المكان…، ربما بكت في حديقة، أو عند نزولها إلى الشط أو في غرفة نومها.

 الشخص عينه استمر في الأسئلة ولم يتوقف، وقال: “أعرف شخصا كلما افترق عن عشيقة من عشيقاته إلا وبكى”. ولم أستغرب للأمر، إلا أنني أدركت فيما بعد أن هذا الشخص كان يتكلم عن نفسه متوهما، أو محاولا إيهام الآخرين أنه يتحدث عن شخص آخر. وإذا كان جسد العاشق حاضرا هاهنا أمامي… أراه، فإنني لا أبصر جسد العشيقة، تلك الغائبة.

بالاضافه إلى ذالك ، وكما يقول الكاتب الفرنسي رولان بارت، في كتابه ” شذرات من خطاب عاشق” متسائلا: ” إن جسد العاشق ممتزج بجسد تاريخي، من سيقوم بتأريخ الدموع؟ في أي مجتمعات، وفي أي زمن حصل البكاء؟ منذ متى لم يعد الرجال يبكون( وليس النساء )؟ لماذا تنقلب (( الحساسية)) إلى حساسية زائفة ؟… ويحسم بارت: ” ليست الفحولة ثابتة، وقد كان الإغريق، ورجال القرن السابع عشر يبكون كثيرا على المسرح، وكان سان لوي حسب ميشليه يتألم لحرمانه من القدرة على البكاء! وعندما أحس بالدموع تنساب على خديه (بدت له شديدة اللذة والعذوبة، ليس فقط بالنسبة للقلب، بل للفم أيضا)!”.

من يقول إنه لا يبكي يكذب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.