كتب : يوسف بلحسن
الضربة المباغثة لحماس يوم السابع من اكتوبر، ومقدار الألم الذي أوقعته في المجتمع الاسرائيلي في لحظات كانت فيها كل قوى الدولة اليهودية متأكدة من نهاية مفهوم “المقاومة المسلحة الفاعلة” بحكم الحصار المفروض سنين طويلة والتجويع الممنهج وغلق كل أبواب ومنافد الخارج أمام أي محاولة لتأييد أجنبي عربي أو دولي أو حتى لتعاطف إنساني .هذه الضربة لم تكن الوحيدة فبعد دخول عملية الهدنة وتبادل الأسرى (وهو الملف الذي لم تحسن دراسته حكومة الحرب الإسرائيلية بشهادة كل المتتبعين)وتفوق ،”القسام” في تقديم الصورة المغايرة الحسنة للراي العام الدولي حول حقوق الأسير وحسن المعاملة ،وبشهادة الأسيرات بالخصوص ،دفعت الآلة الإعلامية الإسرائيلية إلى “صناعة”وفبركة مواد متلفزة ومقالات حاولت من خلالها بناء صورة سلبية عن الخمسين يوما من الأسر لدى حماس ومحاولة تشويه صورة المناضل الفلسطيني لجعل الراي العام الدولي ينقلب على الصورة الحسنة الأولى
الإشكال هو أن حبل الكذب قصير وحتى حينما حاولت الصحف الركوب على “مسلمات”وبديهيات تتعلق بالاعتقال والاسر (أكيد تشوبها أخطاء.وتجاوزات) نسيت ان تمحي شهادات الأسيرات التي تناقض الاتهامات المكتوبة
لننظر كنمودج لمقال في الصحيفة الشهيرة يدعوت احرنوت ليوم الاثنين 26نوفمبر2023
تحت عنوان (خمسون طابقا تحت الارض .شهادات اسيرات )
يبدأ المقال بأسلوب تقريري يحاول من خلاله اثبات خرق حقوق الأسرى وتعديب نفسي ممنهج سلكته عناصر القسام التي كانت مكلفة بحراسة الأسرى تحت عمق خمس طبقات في منطقة ما تحت أرض غزة.
ثم ينتقل الصحفي الى محاورة الطبيبة الرئيسية “مارغريت ” في مستشفى وولفستون وهو المستشفى الكبير المكلف باستقبال الأسرى والنظر في ظروفهم الصحية البدنية والنفسية (ويتضح من أسلوب الطبيبة واجوبتها انها جزء من المنظومة الإستخبارتية الاسرائلية ،)
فتقول جوابا عن سؤال :
( وماذا قال الأسرى عما مروا به في الأسر؟
#قالوا إنهم لم يتعرضوا للإيذاء، لكنهم لم يتلقوا الدواء وأن نظامهم الغذائي كان صعبا. كان الطعام يعتمد بشكل أساسي على الأرز والحمص المعلب والبقوليات، وأحيانا أيضا الجبن المملح مع خبز البيتا ولكن لا شيء آخر. لا فواكه، لا”. خضار: “ولا بيض….”!!!
وتضيف “من المحادثة فهمت أنها “الأسيرة” وكل شخص آخر كانوا يحاولون تجنب تناول الكثير من الطعام، حتى لا يصيبهم الإمساك لانهم لم يعتادوا على مثل هذه الكميات بشكل يومي. كانوا خائفين من الوقوع في مشاكل سوء. الهضم وقال الطبيبة: “انهم كانوا يعتنون بأنفسهم، ولم يكونوا يريدون ان يضطروا لاخد دواء المعدة …ولهذا السبب حرصوا على شرب الكثير من الماء”. انتهى .
مع القرءاة الأولى تكتشف ان الأسرى وبشهادتهم لم يتعرضوا للتعديب(عكس ما كتبته الصحيفة في مقدمة مقالها). وان التغدية كانت متنوعة ارز .حمص معلبات .بقوليات .جبن وخبز .. وان الكمية كانت كافية لدرجة أنهم كانوا يتجنبون التخمة حتى لا يصابون بالمعدة وان الماء كان متوفرا …
ثم يعود المقال ليتحدث عن ظروف الاسر .فيكتب انهم تعرضوا للتعديب في البداية (وهذا تناقض مع تصريحات الأسرى انفسهم .)وانهم كانوا مجتمعين خمسينا فردا تحت الارض في غرفة كافية لهم .وينتقد الصحفي عدم السماح للأسرى بالاستحمام في الايام الاولى .!!!!
وكيف كانت ظروف نومهم ؟
هل ناموا على الارض؟
“النوم لم يكن جيدا. كانوا ينامون في أسرة بجوار بعضهم البعض، وكان الأمر مرهقا. كانوا يغسلون الملابس داخل الغرفة ويضطرون إلى تجفيف ملابسهم هناك ويظلون في حديث داىما فيما بينهم (لم يمنعوا ولم يحجر عليهم).
لاحظوا كيف يتم تحويل كل شيء ايجابي الى نقد بديء
ينامون في أسرة .يستطيعون غسل البستهم وتجفيفها…في الوقت الذي كانت فيه الة القتل الاسرائيلية تبيد اطفال غزة وتجوع اهلها وتقطع عنه الماء والكهرباء والدواء ..
وفي نقطة أخرى تشير اسيرة. اسرائبلية الى ان الفلسطيني المكلف بالحراسة كان يتحدث اليهم يوميا وطيلة ساعات بالعبرية عن تاريخ المنطقة .يعني كان هناك تواصل اجتماعي وتقول .كان لدينا شعور بأن معتقلينا يريدون ان بحتفظوا بنا في حالة جيدة
وتضيف الاسيرة:
“كان هناك من يطبخون ويهتمون بالطعام، أحدهم على سبيل المثال يخاطب جندي حماس باللغة العربية ويقول له “جيبوا لنا الزيت”،!!!!
يستمر المقال في سرد حكاية الأسر تحت الارض ومحاولا اثبات ان المعتقلين تعرضوا للتعديب وسوء والمعاملة. ولكن .التناقض الغريب يكمن في شهادات الأسيرات وفي اعترافهم ان حماس كانت تعاملهم ورغم ظروف الحصار والقتل والابادة الجماعية لاطفال فلسطين بكثير من الإنسانية وتوفر لهم الطعام والماء والدواء وتسمح لهم بالحديث الجماعي وحتى بنقاشات مع معتقليهم
لقد اثبت الفلسطينيون ان مستوى الإنسانية عندهم حتى في الحرب اكبر بكثير مما هو موجود في أعتى الدول الأوربية وان اسراىيل في معركة التعامل. واحترام حقوق الاسر تظل دولة ابرتادية تخرق كل القوانين
وهذا ما شكل صدمة للمجتمع الاسرائيلي وللمجتمع الدولي. وشكل نقط تحول اخرى في الرأى العام الاسرائيلي نفسه تجاه نظرته للفلسطينيين.


