فخ الحرب الكبرى : من المستفيد ومن الخاسر؟
تمودة 24 | أنوار الشرادي – العرائش
هذا المقال ليس إجابة نهائية، بل محاولة لفهم تعقيد مشهد تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه الحقائق، حيث لا يبدو أن هناك بريئا بالكامل، ولا شريرا مطلقا، بل أطرافٌ تستغل الدم لتحقيق مكاسبها، وأخرى تدّعي المظلومية لتبرير مشاريعها ،فمنذ السابع من أكتوبر، تغيّر وجه المنطقة، الهجوم الذي شنته حماس لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل زلزالا استراتيجيا أربك كل الحسابات، وأدخل الجميع في دوامة يصعب الخروج منها، ومع ذلك، يظل السؤال المؤرق: هل اختارت الحركة توقيت المواجهة؟ أم أنها جرت إلى الفخ؟ وهل كانت إسرائيل وحدها من تنتظر هذه الفرصة، أم أن الخطة أوسع وأعمق؟
ما تلا ذلك كان أشبه بسيناريو معد سلفا، حيث بدت إسرائيل وكأنها حصلت على الذريعة التي كانت تنتظرها منذ سنوات، لم ترد فقط، بل انتقلت إلى تدمير غزة بشكل ممنهج، وكأنها تسعى إلى إزالة هذا الكيان المقاوم من الوجود، ليس كمكان فقط، بل كرمز وبوصلة.
نتنياهو، الغارق في أزماته القضائية والسياسية، وجد نفسه في حاجة ماسة إلى حرب تصرف الأنظار عنه وتمنحه فرصة للهروب إلى الأمام. لكنها ليست حربًا إسرائيلية فقط، فما يجري يتجاوز هذا الكيان إلى لعبة أمم معقدة.
بينما كانت طائرات الاحتلال تقصف البيوت والمدارس والمستشفيات ، كانت إيران تحقق ما يشبه “الربح البارد”. لم تطلق رصاصة مباشرة، لكنها حرّكت أذرعها في المنطقة: من اليمن إلى العراق ولبنان، بينما ظلت واشنطن في حالة استنفار دائم، تعيد تموقع قواتها وتثبت أقدامها من جديد في منطقة الشرق الأوسط، مستغلة الفرصة لتطويق صعود الصين وروسيا. ومع ذلك، من السذاجة أن نعتقد أن إسرائيل تملك كل هذا النفوذ بمفردها، فهي ليست دولة عظمى، بل كيان وظيفي أُنشئ لحماية المصالح الغربية، ووجوده محكوم بالدعم الغربي غير المشروط.

إن هذا الكيان، الذي تم زرعه بالقوة، لا يزال يُحمى بالقوة ذاتها، من الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن إلى منظومات السلاح المتطورة، إلى التواطؤ الإعلامي والسياسي. إسرائيل اليوم تغرق في تطرف ديني تلمودي عرقي، يحكمها يمين عنصري متوحش، لا يعترف بالحوار، ولا بالسلام، بل يؤمن بالتفوق والتهويد والسيطرة. لم نعد نميز بين يسار ويمين في سياستها، بل أمام كتلة متطرفة واحدة، تحكم باسم الأسطورة، وتبرر الاحتلال بالدين والتاريخ المزور.
في المقابل، دفعت المقاومة الفلسطينية ثمنا باهظا. استُشهد قادة كبار من كتائب القسام وسرايا القدس: مروان عيسى، صلاح الدين أبو شرخ، رائد سعد، جهاد شلح، أيمن صيام… وغيرهم كثير ممن شكلوا العمود الفقري للروح المقاومة التي لا تموت. ولا يمكننا أن نغفل حجم المصيبة التي ألمّت بالشهيد إسماعيل هنية، الذي فقد ثلاثة من أبنائه وأحفاده في غارة واحدة. ورغم الجرح العميق، لم يُظهر الرجل إلا صلابة في الموقف، وثباتًا يليق بقضية كبرى.
لكن وسط هذا المشهد المأساوي، تظهر تساؤلات لا تقل إيلاما: أين ذهبت الشعارات الكبرى؟ أين الجزائر التي نادت بالمواقف الحازمة؟ وأين تركيا التي أثارت الحماسة بخطاباتها ثم خذلتها أفعالها؟ وهل نقف فعلا على أعتاب حرب عالمية ثالثة كما بدأ يروّج بعض المحللين الغربيين؟ وفي خضم هذه الأسئلة، برز صوت مميز من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.

الجنرال المتقاعد دوغلاس ماكغريغور، أحد مستشاري وزير الدفاع الأمريكي السابق، نشر فيديو مطولًا حذر فيه من أن الحرب مع إيران ستجر الولايات المتحدة مباشرة إلى حرب عالمية ثالثة. كتب قبلها بساعات في منصة “إكس” أن إسرائيل شنت ضربة مفاجئة ضد إيران بينما كانت المفاوضات جارية بين واشنطن وطهران، وأن الرد الإيراني جاء أسرع مما توقعته إسرائيل، مستهدفًا قلب تل أبيب ومناطق حساسة أخرى. بحسب الجنرال، فقد فشلت القبة الحديدية، وفشلت الاستخبارات الإسرائيلية، وبدأ نتنياهو يتوسل الدعم العسكري الأمريكي للخروج من الورطة.
ماكغريغور لم يكتف بوصف الحدث، بل فتح أعين الأمريكيين على الخطر الأكبر، حين قال: “لدينا 40 ألف جندي في الخليج، يمكن أن يتحولوا إلى أهداف، وطائرات شاهد الإيرانية تُكلف 20 ألف دولار، بينما يكلف صاروخ باتريوت 4 ملايين دولار”. وذكّر الجنرال بأن واشنطن أهدرت 12 تريليون دولار في الشرق الأوسط منذ 2003، والنتيجة: آلاف القتلى والجرحى، وحدود مفتوحة، وأزمة فنتانيل تقتل 100 ألف أمريكي سنويًا، وديون وطنية تلامس 40 تريليون دولار.
في نظره، الخطر ليس فقط على الجنود، بل على الاقتصاد الأمريكي، فمجرد ضربة على جزيرة خرج أو على محطات بندر عباس الإيرانية، تعني إغلاق مضيق هرمز، أي شلل 20% من إمدادات النفط العالمية، وتضخم جامح، وارتفاع سعر البنزين إلى 7 دولارات للغالون، وتعطيل لسلاسل الإمداد قد ينهار معه الاقتصاد بأكمله. كل هذا، والسبب كما قال: “حرب مجنونة بدأها نتنياهو، وساندته فيها واشنطن”.
وسط هذا الجنون، لا بد من وقفة مع الذات. فلسطين اليوم صارت ساحة لتصفية الحسابات، والفلسطيني صار وقودًا لحروب الوكالة. البعض يتاجر باسمه، البعض يساوم عليه، والبعض يطبع على حسابه. ومع ذلك، يظل الضمير الحي حاضرًا. والشعوب لم تخن فلسطين. والمغرب، من موقعه التاريخي، وبفضل لجنة القدس، وملكه وشعبه، لا يزال مؤهلًا للعب دور مشرف، لا بالبيانات فقط، بل بالفعل، بالتحرك، بالرفض الواضح للتطبيع، لأنه لا ينبثق من أي شرعية حقيقية، ولا يعبر عن وجدان الأمة. فالقضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل إيمانًا راسخًا بأن تحرير الأرض والمقدسات هو واجب تاريخي وأخلاقي لا يسقط بالتقادم، ولا تلغيه اتفاقيات أو تحالفات موسمية.
ومع كل هذا، تظل الأسئلة الكبرى معلقة: هل ما نعيشه اليوم هو بداية النهاية للكيان الصهيوني؟ أم أننا فقط أمام إعادة رسم الخريطة لصالح قوى جديدة؟ وهل نملك نحن، كعرب ومسلمين، موقعًا في هذا التحول؟ أم أننا نكتفي بالتفرج على ولادة نظام إقليمي جديد لا مكان لنا فيه سوى دور المستهلك والضحية؟
الحرب ليست بطولة حين يكون الأبرياء وقودها. وما نريده ليس “نصرا” إعلاميًا زائفًا، بل كرامة دائمة، وعدالة حقيقية، وحياة تليق بفلسطين وفلسطينييها.