تطوان عاصمة الثقافة و الحوار التي تنهار جدرانها فوق رؤوس أطفالها.
تمودة 24 : بثينة مسقال …
بينما كانت أضواء المنصات تلمع في تطوان احتفالا باختيارها عاصمة للثقافة والحوار في حوض البحر الأبيض المتوسط كانت أزقة المدينة العتيقة تخفي صرخة مكتومة، لم يلبث صداها أن تحول إلى فاجعة هزت القلوب ليلة أمس.
سقطت البناية، وسقطت معها كل شعارات الواجهة السياحية مخلفة وراءها جثامين طفلين كان ذنبهما الوحيد أنهما يعيشان في مدينة يراد لها أن تبدو أندلسية من الخارج، وهي تنزف إهمالا من الداخل
يتحدثون عن التثمين،؟ لقد وضعوا لتطوان سقفا خشبيا حجب الشمس عن البيوت وحول الممرات التاريخية إلى ما يشبه “القبور” المظلمة التي تحبس الرطوبة وتخنق الأنفاس. هل هذه هي الهوية التي نروج لها؟ مدينة مسقوفة بالخشب بينما منازلها ايلة للسقوط واساساتها تنخرها الهشاشة؟
إن تمثيل تطوان كعاصمة للثقافة لا يجب أن يقتصر على سهرات وحفلات غنائية تنتهي بإطفاء الأضواء، بل بتقديم برامج ثقافية وتوعوية حقيقية تعيد الاعتبار لـ “صناع المدينة” الحقيقيين.
أين الفقرات اليومية التي تعرف العالم بكنوزنا البشرية؟
أين حق “الصياغين” ومالكي محلات الفضة؟ أين “الخياطين” الذين ينسجون الأصالة بأيديهم؟ وأين غاب ذكر “الخرازين” و “دار الدباغ” التاريخية؟
هذه الحرف هي الثقافة الحية التي تفتقر للمقرات والاحتضان، وبدلا من استثمار الميزانيات في دعم هؤلاء الحرفيين وتوعية الناس بقيمة تراثهم، تهدر الأموال في مهرجانات عابرة لا تترك أثرا ثقافيا وثراثيا على الساكنة .
من حق الجميع أن يتساءل اليوم بكل مرارة: كيف للتطوان ان تكون عاصمة للثقافة والحوار ومدينتهم تفتقر لأبسط الفضاءات الثقافية والاجتماعية ؟
مسرح إسبانيول: ما زال هو المنقذ الوحيد لكل الأنشطة رغم تكاليف كرائه الباهظة.
المسرح الوطني: لغز كبير يحيط بهذا الصرح الثقافية الذي صرفت عليه ميزانيات ضخمة وما زال موصدا في وجه الإبداع.
دار الثقافة والمكتبة العامة: بين بؤس الأولى، وإصلاحات لا تنتهي في الثانية.
يبدو أن الثقافة في تطوان مجرد ديكور للمناسبات الرسمية فقط.
خلف الأسوار التاريخية التي تتآكل يوما بعد يوم، يعيش المواطن التطواني واقعا مزريا. إنها تطوان العاطلة التي ينهشها الغلاء، حيث تعجز الأسر عن توفير لقمة العيش، فكيف لها أن تفكر في ترميم بيوت متداعية في ظل صعوبات استخراج رخص الإصلاح؟ كيف نرمم الأسوار والناس تفتقر لما يسد الرمق؟
إن سقوط البناية ليلة أمس ليس مجرد حادث عرضي، بل هو إنذار أخر وهو ما يطرح سؤال حول مدى . إنفاق الميزانيات على “البهرجة” بينما أساسات المنازل المدينة العتيقة وحرفها التقليدية تموت ببطء.
تطوان لا تحتاج لشهادات فخرية بقدر ما تحتاج لسياسة حقيقية لرد الاعتبار للإنسان والحرفي قبل البنيان. ارفعوا الستار عن الوجه العاري للمدينة، واجعلوا الشمس تدخل أزقتها مجددا، وعالجوا جراحها قبل أن يسقط جدار آخر.. وصمت آخر.