مجالس الأحياء والهرم التصالحي، نموذج مغربي أصيل في الحكامة التشاركية

بقلم يوسف بودرهم

لما كان الحديث عن التنمية المحلية يقتصر فقط على البرامج التنموية الجافة التي لا تنبع من روح القاعدة، أصبحت الحاجة ملحة لبديل حقيقي تتجسد من خلاله فلسفة الذكاء الترابي والعقلنة التدبيرية التشاركية.
هذه الحاجة الملحة دفعت إلى الاجتهاد وخلق رؤية بديلة، أو بالأحرى مكملة للديمقراطية التمثيلية، أو ربما لسد بعض النواقص التي تشهدها الممارسة الديمقراطية.
وبالتالي، تطلب هذا الانتقال فلسفة جديدة تقوم على مشاركة المواطن في صناعة القرار المحلي، عبر تمكينه من توجيه القرارات وفقًا لاحتياجاته وارتباطه المباشر بالأنساق المرتبطة، مما يساهم في خلق ديمقراطية أكثر فاعلية، لا تقتصر على الانتخابات فحسب، بل تشمل الحوار والتعاون المستمر بين مختلف الفاعلين.
وفي هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء لفهم العلاقة التي تربط المواطن بالمنتخب والسلطة المحلية، في إطار علاقة تصالحية تشاركية، وهو ما يتجسد من خلال نموذج “الهرم التصالحي” الذي يُعد إطارًا جديدًا لفهم هذا التحول المستمر.
بحيث يمثل المواطن أساس الهرم القاعدي، من خلال كونه مصدر المعلومات والمبادرات، ثم يأتي المنتخب كحلقة وصل بين المواطن والمؤسسات، ويليه في القمة السلطة المحلية التي تمتلك الوسائل والقدرة على تنفيذ السياسات.
لكن ما يجعل هذا النموذج أكثر من مجرد هيكل تنظيمي، هو أنه يعتمد على تفاعل أفقي وعمودي، حيث يُبنى القرار المحلي استنادًا إلى مشاركة المواطن، ويُنفذ من خلال استراتيجيات تشاركية، ويقيم من قبل جميع الفاعلين ضمن آليات تعاقدية شفافة، بما يجعل عملية التدبير التشاركي المحلي أكثر دمقرطة وكفاءة.
من هنا يمكنكم الوقوف على مجموعة من الأسئلة المحورية التي نطرحها بخصوص قدرة التشاركة اي الديمقراطية المستمرة في إعادة تشكيل أسس الحكامة المحلية.
هل يمكن لمجالس الأحياء غير المنتخبة أن تؤسس لثقافة جديدة في الحكامة التشاركية؟
ما موقع المواطن والمجتمع المدني بينوالشكاية وثقافة الشكاية؟ وأين يتجلى التحول من رد الفعل إلى الفعل الديمقراطي؟
هل السلطة المحلية والمنتخب والمجتمع المدني والمواطن، شراكة حقيقية أم خصوم ضمنيين؟
إلى أي حد يمكن الحديث عن نموذج مغربي أصيل في الديمقراطية التشاركية؟
1) مجالس الأحياء غير المنتخبة تجسيد عملي، لفلسفة الهرم التصالحي
تعتبر مجالس الأحياء غير المنتخبة إحدى المبادرات العملية لتنزيل الحكامة التشاركية كما يجب أن تكون.
فهي لا تسعى إلى منافسة المجالس المنتخبة أو الحلول محل السلطة الترابية، بل تقوم بوظيفة تكاملية، تؤطرها فلسفة القرب والتواصل، وتمنح الكلمة للمجتمع المدني والمواطن داخل فضاء منظم، يستطيع من خلاله التعبير عن انشغالاته واقتراحاته بشكل جماعي ومؤسساتي منظم.
كما يمكننا إعتبار هذه المجالس، منصات حوارية تعِيد في جوهرها الاعتبار للساكنة كفاعل مباشر في دورة القرار المحلي اليومي، من خلال المشاركة في بلورة العرائض، تتبع المشاريع، مراقبة المرافق العمومية، والمساهمة في رسم أولويات التدخل العمومي. وبمعنى اخر، فإنها تشكل لبنة أساسية في بناء “الهرم التصالحي”، الذي يضع المجتمع المدني والمواطن في قاعدة القرار، لا على هامشه، وتعزز منسوب الانتماء إلى المجال الترابي، وترسيخ الشعور بالمواطنة الفاعلة، بما يُوطّد العلاقة الوجدانية بين المواطن ومؤسسات وطنه.
2) ثقافة الشكاية لتحقيق مواطنة فاعلة
لقد ظلت الشكاية، لفترة طويلة، تعبير عن مواطنة مقموعة أو محدودة الفاعلية، إلا أن مفهومها حينما يرتبط بمجالس الأحياء الغير منتخبة، تصبح أداة قانونية جماعية، تمثّل قفزة نوعية تعكس نضجًا في وعي المواطن وتحوله إلى شريك في التوجيه والتقييم، كمت أنها ليست فقط ممارسة شكلية، بل هي فعل ديمقراطي منظم، يساهم في مأسسة المطالب وتحويلها من تذمر فردي إلى اقتراح جماعي مسؤول، مرتبط بالإصلاح اليومي للمجالس الترابي.
وبالتالي إن هذا التحول من الشكاية إلى ثقافة الشكاية، يعكس نضج الممارسة التشاركية المحلية، برغم من أنه يصطدم بإكراهات قانونية وإجرائية تحد من فعاليته، بسبب عدم انسجام المنظومة المؤطرة لهذه الممارسة مع الواقع اليومي للمجتمع المدني والساكنة لمواطن.
3) أضلاع الهرم التصالحي
لا يمكن للحكامة التشاركية أن تؤتي ثمارها دون إعادة بناء العلاقة بين المنتخب، المواطن، والسلطة المحلية.
فثلاثية الهرم التدبيري المحلي الحديث، يحتاج إلى توازن دقيق ينتقل بنا من الفكرة النمطية إلى منطق التفاعل السلمي.
وبالتالي يصبح “الهرم التصالحي” تصور مؤسساتي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:
+ منتخب مؤهل سياسيا و معرفيا، يكون قادر على تمثيل المواطن بصدق وقناعة وتحويل حاجياته إلى سياسات عمومية ناجعة.
+سلطة محلية منفتحة وفعالة، لها القابلية على إشراك المواطن، وتتمتع بالمرونة اللازمة لتنفيذ المشاريع في إطار شراكة مع مختلف الفاعلين المحليين.
مجتمع مدني مواطن، وفاعل ومنخرط، يتجاوز منطق الاستهلاك إلى منطق الاقتراح والتنزيل الفعلي للأفكار التنموية، في ظل أدوات قانونية ومؤسساتية بديلة.
4) نموذج مغربي أصيل للديمقراطية التشاركية
إن التجربة المغربية في مجال الديمقراطية التشاركية لا ينبغي أن تختزل في إستنساخ وتقليد النماذج الأجنبية، بل يجب أن تستمد مشروعيتها ومضمونها من الخصوصية الوطنية، المتجذرة في الثقافة المغربية، وفي القيم المحلية المرتبطة، بالتضامن وتكريس ثقافة القرب، والدفاع عن المصلحة العامة بوعي ومسؤولية وطنية.
من هنا شكلت تجربتي الأكاديمية المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية دراسة مقارنة للنموذج ا النموذجين الفرنسي والألماني، أرضية تأصيلية لبناء تصور مغربي خاص، يقوم على إعادة الاعتبار للمواطن، لا كمجرد مستهلك للقرار العمومي، بل كفاعل مساهم في بلورته، عبر آليات الاقتراح، والتشخيص، والتنفيذ المشترك من بوابة مجالس الأحياء الغير المنتخبة، التي انطلقت كلجنة من اللجان الدائمة بالجمعية المغربية شركاء للتنمية.
وفي هذا السياق، جاءت صياغة مفهوم “الهرم التصالحي” كمحاولة لترجمة هذا الطموح الفكري والعملي، باعتباره إطارًا مرنًا للحكامة المحلية، إنسجما مع مرتكزات دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الذي أرسى دعائم الديمقراطية التشاركية، من خلال تمكين المجتمع المدني والمواطنين من تقديم العرائض والملتمسات، والمشاركة في إعداد السياسات العمومية وتقييمها.
لهذا، فمجالس الأحياء غير المنتخبة كتجسيد ميداني لهذا التوجه، لا تسعى إلى الحلول محل المجالس المنتخبة أو السلطات المحلية (الصراع)، بل تؤدي دور الفاعل المرن في تفعيل الديمقراطية من القاعدة، عبر خلق جسور تواصل مؤسساتي واجتماعي، يُمكن المواطن والمجتمع المدني من التفاعل مع محيطه، والمساهمة في رسم معالم القرار المحلي.

في الختام، تجسد مبادرت مجالس الأحياء الغير منتخبة، محاولة رائدة لإعادة الاعتبار لدور المواطن والمجتمع المدني ضمن المنظومة الديمقراطية، بما يسهم في تعزيز الإحساس بالانتماء إلى المجال الترابي، وترسيخ العلاقة الوجدانية بالمؤسسات الوطنية، وذلك عبر تكريس قيم الحوار، وبناء الثقة، وتفعيل مبدأ التشارك المسؤول عبر الهرمي التصالحي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.